بغداد 31°C
دمشق 32°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان: فساد وتقصير وتهرّب من المسؤولية



بشّار يوسف ـ الحل

ليست العلاقة بين اللاجئين السوريين في لبنان والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أفضل حالاً من تلك التي تجمع بينهم وبين مستضيفيهم أو بينهم وبين الجمعيات الإغاثية الأخرى، سواء كانت سورية أم غير سورية، فالإهمال والتقصير والفساد والتهرب من المسؤولية أقل ما يمكن ملاحظته في الإجراءات المتبعة لا في مساعدة اللاجئين وحسب وإنما حتى عند تسجيلهم.

فصل تعسفي وتهرب من التسجيل

في الوقت الذي كثرت فيه الشكاوى عن قيام المفوضية برفض عدد كبير من طلبات تسجيل اللاجئين على الرغم من أنها تطابق شروط الأمم المتحدة، صدر قبل نحو ثلاثة أشهر قرارٌ عن المفوضية، يبدو أنه غير معلن، يقضي بفصل ما تزيد نسبته عن 30% من اللاجئين السوريين المسجلين لديها بحجة أنهم غير مؤهلين ولا تنطبق عليهم شروط اللاجئ.

والفصل يعني حرمان اللاجئ من المساعدات الغذائية وبدل المحروقات والمساعدات النقدية، والتي لا تتجاوز 30 دولاراً أمريكياً شهرياً في لبنان، في حين يبقى اللاجئ قادراً على الاستفادة من المساعدات الطبية والصحية.

أوضح أحد القادمين من مدينة القصير في ريف حمص، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، بأنه قد تم فصله بحجة أنه “غير مطابق للشروط”، علماً أنه أب لطفلين وزوجه حامل، وهو يقيم في أحد مخيمات اللاجئين في منطقة البقاع في لبنان منذ نحو ستة أشهر، وأكد على أنه قدم استئنافاً إلى المفوضية ولم يتلق أي رد حتى الآن منوّهاً إلى أن المفوضية لم ترسل أحداً إليه لإجراء زيارة للكشف على وضعه.

لاجئ آخر قدم حديثاً بصحبة عائلته وأمه العجوز إلى لبنان من منطقة القلمون بعد تصاعد وتيرة المعارك فيها، بيّن أنّه لم يتمكن حتى الآن من إجراء المقابلة الأولى للتسجيل في المفوضية، علماً أنه مطابق للشروط إذ يوجد في عائلته طفل وشخص عاجز، إلا أن رد المفوضية عليه كان “اتصل بنا وسنخبرك متى تأتي”، وهو لم يحصل على موعد حتى الآن.

حالات أخرى استطعنا توثيقها تتعلق بتأجيل موعد المقابلة الأولى لعدة مرات دون تحديد سبب واضح لذلك، وهذه الحالات لا يجمع بينها قاسم مشترك سوى أنهم لاجئون سوريون.

طلبات مستحيلة في ظروف استثنائية

يطلب موظفو المفوضية من اللاجئ طالب التسجيل إحضار وثائق ثبوتية عن كل ما يذكر في ملفه، كالهويات الشخصية لكل أفراد العائلة ووثيقة الزواج والشهادات، ويصل بهم الأمر إلى طلب إثباتات عن حالات الاعتقال أو التهديد التي تعرض لها اللاجئ.

في هذا الصدد يرد أبو محمد، أحد اللاجئين الذين لم يتمكن من التسجيل: “كيف أستطيع إحضار أوراقي وأنا أحمل ابنتي هرباً من قصف الطيران الحربي؟”

الممثل المحلي للمفوضية: سرقات ورشاوى

تقوم المفوضية بتعيين شخص محدد في كل منطقة يتواجد فيها اللاجئون السوريون في لبنان يدعى الممثل المحلي، أو صلة الوصل كما يطلق عليه اللاجئون، وهو غالباً يحمل الجنسية اللبنانية، وأحياناً أخرى السورية، تبعاً للمنطقة، ومهمته تتلخص في تقديم التقارير عن وضع اللاجئين واحتياجاتهم والإشراف على توزيع المعونات، إلا أن الواقع أظهر لنا أنه بات يقوم بوظائف أخرى لاسيما وأنه لا يقوم بدوره المنوط به، فضلاً عن حقيقة أنه يتم اختيار معظمهم من بين أصحاب الجمعيات ذات الطابع الإسلامي.

يتقاضى الممثل المحلي مبلغاً قدره 200 دولار أميركي ليقوم باستئناف ملف اللاجئ المفصول من المفوضية دون وعد مؤكد بقبول الاستئناف، إذ أن هذا المبلغ هو ثمن المحاولة فقط وليس ثمناً للنتيجة.

قال لنا القسم الأكبر من اللاجئين الذين استطعنا التحدث إليهم في عدة مخيمات إن الممثل المحلي هذا هو المسؤول عن توزيع المساعدات، وهذا التوزيع يحمل بين طياته سرقة قسم كبير من هذه المساعدات بالإضافة إلى انعدام العدالة في التوزيع، وبالنسبة للاجئين فإن الأمم المتحدة هي المتهمة بالسرقة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

بسبب أداء المفوضية اللاجئون يطردون المنظمات الأخرى

رفض عدد من اللاجئين التحدث إلينا، في حين قام البعض الآخر بشتمنا وطلبوا منا المغادرة فوراً، وحينما استوضحنا الأمر تبيّن لنا أنهم ظنوا أننا جئنا من طرف الأمم المتحدة!

إن تعرض اللاجئ السوري لـ”الخيانة والسرقة” من قبل أكبر منظمة عالمية، حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر عن طريق وسطائها، دفع كثيراً من السوريين إلى فقدان الثقة في المنظمات والجمعيات الأخرى، خاصةً وأنه تم تسجيل عشرات الحالات من قدوم مجموعات إلى بعض المخيمات لجمع البيانات وأخذ الصور دون أن يعودوا لتقديم أية مساعدة، فيما تتذرّع منظمات أخرى بمحدودية ميزانيتها كاليونيسيف وsave the children.

الدعم الطبي بين التهرب من المسؤولية وعدم الاعتراف بالمفوضية

تعتمد المفوضية على بعض الجمعيات المحلية والشركات التجارية لتقديم الدعم الطبي للاجئين السوريين من باب “التهرب من المسؤولية الطبية”، ولعل الاسم الأبرز في هذا السياق هو شركة المخزومي اللبنانية التي تتولى دفع ما تصل نسبته إلى 75% من قيمة فواتير المستشفى للاجئ.

لكن، ليس كل اللاجئين قادرين على الاستفادة من هذه النسبة، ويُترك الأمر للقائمين على الملفات الصحية في الشركة لتقييم مقدار الدعم الذي سيقدمونه، كما أن إدارات بعض المشافي والمستوصفات لا تعترف بأوراق المفوضية التي يقدمها اللاجئ، وهنا يظهر دور السماسرة الذين توظفهم المشافي الكبيرة في بيروت، كمشفى المقاصد ومشفى الحريري، ليقوموا بدورهم بتأمين مبلغ الفاتورة من جمعيات أخرى ومفاوضة قسم المحاسبة في المشفى لتخفيض كلفة العلاج.

والأمر مشابه بالنسبة للقسائم الطبية التي تقدمها المفوضية للاجئين، والتي من المفترض أن تغطي لهم بعض الحالات والخدمات الطبية، وليس كلها، إلا أن الواقع الطبي في لبنان يقول إن لا سلطة على الأطباء والمشافي حتى من قبل وزارة الصحة.

وفي هذا السياق أفاد لنا أحد اللاجئين القادمين من محافظة إدلب بأن وزير الصحة اللبناني أجرى اتصالاً هاتفياً مع إدارة مشفى الحريري الحكومي العام الفائت ليطلب منهم تحويل ما نسبة 75% من قيمة فاتورة علاج ابنه إلى حساب الوزارة، فكان رد المشفى على الوزير وفقاً لشهادة اللاجئ: “لا ترسل الكتاب كي لا أمزقه.”

المفوضية مطالبة بتحسين أدائها وصورتها

إن القصص والشهادات التي جمعناها من عدة مخيمات في مختلف أنحاء لبنان تحتاج إلى عشرات الصفحات لعرضها، وكلها تتوجه بأصابع الاتهام إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالتقصير والتهرب من المسؤولية والسماح لتجار الحروب باستغلال أزمة اللاجئين السوريين في لبنان، وعلى اعتبار أننا نتحدث عن منظمة عالمية ذات كفاءة عالية لا يمكن تبرير هذه التجاوزات الكثيرة بقلة الخبرة، إذ أن مجموعة مشتركة من الطلاب السوريين واللبنانيين يقومون بأعمال إغاثية بمهنية تفوق مهنية موظفي المفوضية.


التعليقات