بغداد 32°C
دمشق 22°C
السبت 26 سبتمبر 2020

الهاون قدر دمشق اليومي… وعاصفة الموت العشوائي


 

ليلى زين الدين

هرب “محمد” ابن الأربعة عشر ربيعاً من الموت قصفاً وجوعاً في بيت سحم، ولجأ إلى “بسطة” ثيابٍ يعتاش منها وعائلته في جرمانا، معتقداً أنها ستحصنه من شبح الموت، لكن شظايا القذائف الطائشة التي تسقط بالعشرات على المدينة لا تفرق بين مؤيد ومعارض وبين طفلٍ وكهل، ولا بين لاجئٍ ومقيم.

الجالسون في منازلهم وبعد سماع صفير القذيفة بثوانٍ معدودة ينتظرون معرفة مكان سقوطها، ليتلوها أصوات سيارات الإسعاف، وليكون مؤكداً أن أسماء جديدة ستنضم إلى قائمة الضحايا، والتي تجاوزت أعدادهم 360 مدنياً خلال العام 2013 حسب إحصائيات الناشطين وربعهم تقريباً من الأطفال إلى جانب آلاف المصابين، في حين تتحدث مصادر النظام عن 50 عسكرياً قضوا بالقذائف.

توزع القذائف بالأرقام

وحسب الأرقام فإن حصيلة العام 2013 كانت أكثر من ألفي قذيفة هاون سقطت في مناطق دمشق وريفها الواقعة تحت سيطرة النظام، وتركز غالبيتها على مناطق الأقليات، مثل جرمانا التي كان لها النصيب الأكبر من هذه القذائف “أكثر من 450 قذيفة”، بينما شهدت مناطق باب توما والقصاع والعباسيين ودويلعة ما يقارب 300 قذيفة، إلى جانب عشرات القذاف التي تساقطت على مناطق مختلفة من دمشق طال بعضها السفارات وصلت بعضها الاخر إلى الجامع الأموي وأيضاً إلى الكنائس على حدٍ سواء.

ومؤخراً باتت القذائف تطال المدارس، ففي يومٍ واحد “22 تشرين الأول في 2013” سقطت ثلاث قذائف على مدرسة ابتدائية في مدينة جرمانا، وأصيب نتيجتها حوالي خمسة أطفال، لتتوالى بعدها القذائف على مدارس القصاع وباب شرقي وباب توما.

“جمال في الصف الخامس ابتدائي” أحد الأطفال الناجين بصعوبةٍ من موتٍ محتم، يرفض الذهاب إلى المدرسة، ويشترط على والديه تغيير مدرسته أولاً، وانتهاء الحرب ثانياً، حتى لا تتساقط عليه شظايا قذيفةٍ جديدة تودي هذه المرة بحياته.

مشهد القذائف بات اعتيادياً لسكان المناطق التي تتوزع في داخلها وعلى أطرافها آلة النظام العسكرية، وخلفه تدور تساؤلات لا تنتهي حول مصدر هذه القذائف، والأهداف التي ينشدها مطلقوها.

من الفاعل؟

النظام من جانبه يؤكد عبر وسائل إعلامه أن المعارضة المسلحة مصدر هذه القذائف وهدفها النيل من الأقليات، في رسائل مفادها أنه وحده هو حامي مناطق مثل جرمانا والقصاع، وهو ما تحدث عنه صراحةً وزير خارجيته وليد المعلم في أحد مؤتمراته الصحفية.

لكن على المقلب الآخر تنفي مصادر الكتائب المقاتلة في الغوطة الشرقية أي علاقةٍ لها بهذه القذائف، حيث يقول قائد كتيبة يوسف العظمة حسام ذيب: “بوصفنا أحد الكتائب في الغوطة الشرقية فمخططات أهداف الهاون تمر علينا ونشارك باتخاذ القرار بشأنها، والقذائف التي يتم إطلاقها على المدنيين في جرمانا وغيرها من المناطق مصدرها إدارة الدفاع الجوي، وليس الغوطة الشرقية، وتحديداً من ثكنة كمال مشارقة”، ويؤكد القائد العسكري أن المستفيد الوحيد من هذه القذائف هو النظام وليست المعارضة.

ووفقاً لعلم البحث الجنائي فإن “معرفة المستفيد” هي أكثر المؤشرات التي تدل على الفاعل، وكان يمكن التسليم لفكرة أن النظام وراء القذائف، وقبول نفي بعض الكتائب المعارضة لعلاقتها بها، وأيضاً كان يمكن التسليم لبيانات بيت سحم والمليحة التي تنفي علاقتها بالقذائف التي تسقط على جرمانا، لولا الفيديوهات التي يتم عرضها على اليوتيوب من قبل كتائب لها ثقلها على الساحة العسكرية مثل لواء “درع العاصمة” وكتيبة “أنصار السنّة” ولواء “أبابيل حوران”، التي تؤكد من خلالها تبنيها لما يسمى “دك معاقل الشبيحة”، مرةً في جرمانا وأخرى في المزة وغيرها من المناطق، الأمر الذي يؤكد حقيقة غياب القرار الموحد للكتائب المقاتلة.

لكن هل حقاً يمكن للهاون أن يحدد “معاقل الشبيحة” ودكها بالفعل؟ الحقيقة العسكرية تؤكد أن إحداثيات الهاون غير دقيقة ويحتمل نسبة خطأ عالية، فانحراف 1 سم في إحداثيات الهدف، سيؤدي إلى انحرافٍ على الأرض يصل إلى مئات الأمتار، وهو ما يجعل الهاون “أعمى”، وغير محسوب النتائج، وربما تصل شظايا القذائف إلى حدود 250 متر، ووفقاً لأرقام الضحايا السابقة الذكر فإن هذه القذائف لم تسقط على مقراتٍ عسكرية أو أمنية، بل على العكس كانت تتساقط على الشوارع والأبنية والمدارس وأيضاً على الحافلات المدرسية.

حرصاً على المدنيين

ووجهت العديد من الجهات رسائلها إلى المحيط، والتي تشير إلى عدم تحقيق القذائف لأهداف الثورة، كلجنة العمل الوطني الديمقراطي في جرمانا، التي أصدرت بياناً تؤكد من خلاله بأن هذه القذائف تضر بالسلم الأهلي والعيش المشترك، وعلى الوتر نفسه حاولت العزف لجنة العمل الأهلي ومن خلفها الهيئة الروحية في المدينة، رافضةً إزهاق رواح المدنيين، وفي المقابل تستغل الأصوات الموالية هذه القذائف لتدك أسافين الفتنة بين المناطق الثائرة والمناطق الآمنة إن صح التعبير.

وإذا كانت بعض الفيديوهات تتبنى عدداً محدوداً من القذائف فهناك مئات القذائف تبقى مجهولة المصدر، وغالباً ما تتساقط في أوقاتٍ حرجة، تؤيد فكرة أن النظام خلفها، كأن تتساقط حوالي 15 قذيفة على جرمانا يوم ورود نبأ وفاة أحد أبنائها “لؤي كرباج” تحت التعذيب في أقبية النظام الأمنية.

وتحاول الأصوات المعارضة في المناطق المحسوبة على النظام، تحليل الواقع دون مواربة، حيث يقول أحد الناشطون في مدينة جرمانا والتي لها النصيب الأكبر من القذائف اليومية: “ليس من الإنصاف القول بأن المعارضة المسلحة تستهدف الأقليات، فاللاجئون في المدينة من أهالي الغوطة وغيرها وعددهم يفوق الـ “200 ألف”، ينالون حصتهم من الموت سواء بالقذائف أو بالتفجيرات، وكذلك هو الحال بالنسبة لباقي المناطق، ولا يمكن اعتبار جرمانا مدينة فقط للمدنيين ، فدبابات النظام تقصف على الغوطة من أراضي جرمانا، والشبيحة وعناصر حزب الله تحتل أسطح المباني السكنية لتنصب أسلحتها وقناصيها، كيف نطلب من المحيط أن يتلقى الضربات من هذه المدينة ولا يرد على الموت القادم منها؟”.

سؤال لا يمكن الإجابة عليه، دون إلحاقه بسؤالٍ آخر يأتي على لسان ناشطة إعلامية من القصاع، فضلت عدم ذكر اسمها، وتقول: “لماذا نحن نقتل وغيرنا يعيش؟ هذا السؤال هو لسان حال المناطق المحاصرة التي تعاني القتل قصفاً وجوعاً وبرداً وإذلالاً، وإذا كانت هي مصدر القذائف فأعتقد أن القضية ليست في القذائف ذاتها لكن المشكلة في العنف المعمم الذي مارسه النظام منذ البداية وأدى إلى أن تصدر تلك المناطق موتها إلى مناطق أخرى لا تبتعد سوى بضعة كيلو مترات تصبغ بصبغة الموالاة، حيث أنها لم تمنع النظام حتى عن نصب آلته العسكرية في أراضيها لقتل المحيط الثائر، علاوةً عن تصديرها لأعدادٍ من “الشبيحة” ممن يقاتلون إلى جانب النظام، لا بل ينخرطون في أعمال سرقةٍ ونهبٍ واعتقال”.

عشوائية ونتائج واضحة

وإذا كانت الأصوات المعارضة تردد التساؤل الذي يحرج الضمير الإنساني، حول الموت المعمم الذي تعيشه المناطق المحاصرة، ورفاهية الحياة التي تعيشها المناطق الأخرى، فهناك أصوات أخرى من الأقلية الصامتة ابتعدت عن الثورة وانحازت إلى النظام بسبب القذائف، فسكان بعض المناطق مثل باب توما والقصاع تعيش هواجس لا تنتهي من المتطرفين، تأتي القذائف لتدفعهم أكثر إلى ترديد عبارة “كنا عايشين وما أحلانا” حسب ما تقول أم جورج السيدة الخمسينية من القصاع، وتضيف: “زميل ابني بالكشاف قتل بالقذيفة التي سقطت بجانب كنيسة الصليب، مع أنه لم يكن يوماً لا موالياً ولا معارضاً، وصديقتنا محامية تسكن في جرمانا أيضاً ماتت بفعل القذائف”، وتختم أم جورج: “لا نريد هذه الحرية”.

وبصرف النظر من يقف وراء تلك القذائف وظل غياب المعطيات الدقيقة، لكن من الثابت أن النظام نجح بالحد الادنى في دق اسفين بين المحيط المحاصر ومناطق مثل جرمانا وباب توما، وترويع وتخويف الاقليات بالهاون وبالتفجيرات حيناً وبملاحقة واعتقال الناشطين حينا آخر كي لا تفكر بأي محاولة للخروج من تحت عباءته، وجعلها في حالة خوف دائم من انتصار الطرف الاخر.


التعليقات