بغداد 27°C
دمشق 35°C
الخميس 1 أكتوبر 2020

دفاعاً عن سوريا وشعبها


ما يجري في سوريا في هذه الأيام وعلى إمتداد ثلاثة أعوام هو أمر فظيع ومريع.  سوريا، البلد العربي العريق، تستباح أرضها تدميراً منظماً للمدن وللقرى وللمؤسسات المدنية والتعليمية والصحية ودور العبادة فيها وكل ما تطاله البراميل المتفجرة من هنا وقذائف الهاون من هناك وكل أسلحة الدمار بما فيها الكيميائي من هنالك.  والشعب السوري، صاحب التاريخ العريق قديمه وحديثه، يستباح قتلاً بكل أنواع الأسلحة وتهجيراً في داخل البلاد وخارجها.  يجري كل ذلك أمام أعين العالم من دون فعل وإنفعال كما لو أن ما يجري هو من طبائع الأمور!  أليس من حقنا ونحن نشهد ما يجري في سوريا أن نصف  الوضع بالأمر الفظيع والمريع؟!
يجري كل ذلك مترافقاً بالحديث عن جنيف2 إستكمالاً لجنيف1.  لكن عن أي جنيف يجري الحديث، وعن أي حل للأزمة ينتظر أن يخرج من ذلك المؤتمر، ومن هي القوى التي يفترض أن تشارك في ذلك الحل؟!
 لن أدخل هنا في التفاصيل المتصلة بالجهات التي تمارس عملية التدمير والقتل.  فقد إختلط الحابل بالنابل.  لكن أول القتلة هو النظام الاستبدادي الذي لم يتعب أهله خلال الأعوام الأربعين الماضية من حكمهم للبلاد وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة تحديداَ من ممارسة إستبدادهم بكل الأشكال والصيغ والوسائل قهراً وإذلالاً وقتلاً للشعب السوري وتدميراً لسوريا.  لكن لهذا النظام ولأهله شركاء قدامى وجدد ممن يرفقون سلاح القتل بسلاح التكفير ويتحملون معه ومعهم مسؤولية تدمير سوريا وقتل الشعب السوري وتهجيره.
هل أخطأ الشعب السوري عندما إنتفض من أجل إستعادة حريته وكرامته؟  هل كان عليه أن يبقى مستسلماً لظالميه المستبدين العابثين بمصائره وبمصائر بلده؟  هل كان مطلوباً منه أن يتفرج على إنتفاضات أشقائه في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين، وينتظر أن تأتيه الحرية من مستبديه “صدقة” مجانية مقرونة بطاعة مكرسة إلى الأبد لهذا السيد المستبد “الكريم”؟!
كلا بالطبع، وألف كلا.  لم يخطئ الشعب السوري عندما إنتفض من أجل حريته.  وهل يحتاج شعب لإذن من أحد لكي ينتفض من أجل حريته؟!  لكن خطأ كان قد وقع بعد بضعة أشهر من إندلاع الثورة.  يتمثل هذا الخطأ بالقرار الذي إتخذته أطراف من قيادة الثورة بتحويل الثورة من طابعها السلمي الرائع إلى ثورة مسلحة.  يجب أن تعترف المعارضة بذلك الخطأ من دون مكابرة.  ألا تشير إلى ذلك وتؤكده الوقائع الكارثية الراهنة التي آلت إليها هذه الثورة العظيمة؟!  يذكرني هذا الخطأ بما كنا قد إرتكبناه نحن في الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية، وإرتكبه خصومنا في ذلك الحين في الجبهة اللبنانية، عندما قررنا جميعنا، من دون وعي ومن دون حساب للنتائج الكارثية لقرارنا ذاك بالدخول في الحرب الأهلية.  وقد قادنا ذلك القرار المجنون إلى ممارسة القتل والتدمير لشعبنا ولبلدنا على إمتداد خمسة عشر عاماً.  وكانت لكل منا مشاريعه الوهمية حول مستقبل لبنان.  ومن المعروف أن تلك الحرب قد إنتهت بقرار عربي ودولي لم تكن لنا إرادة فيه.  لكننا إستسلمنا له ودخلنا بفعل ذلك القرار العربي والدولي في الوصاية السورية التي ساهمت وساهمت معها إنقسامات اللبنانيين في تعطيل قيام الدولة التي هي شرط لقيامة الوطن.  وما زلنا نعيش في لبنان تحت تأثير تلك الحرب ونتائجها وتحت تأثير النتائج التي خلفتها الوصاية السورية والنتائج المتصلة بصراعات اللبنانيين وإنقساماتهم التي لا تنتهي.
لا تتعلم الشعوب من تجاربها ولا تتعلم من تجارب الآخرين.  هذا ما تشير إليه الوقائع قديمها وحديثها في بلداننا على وجه الخصوص.  وتلك لعمري هي المأساة التي ما تزال ترافق البشرية منذ قديم الزمان.  وهي مأساة تقدم لنا أحداث الألفية الجديدة نماذج صارخة منها، بما في ذلك داخل الثورات التي إنتفضت لتحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد.  وهي، برغم ما واجهها ويواجهها من صعوبات،  ثورات شرعية، بمعنى أن شروط قيامها كانت متوافرة جعلت قيامها أمراً طبيعياً أملته ضرورات الماضي والحاضر والمستقبل.
وإذ أشير هنا إلى أن الشعوب لا تتعلم من تجاربها ومن تجارب الآخرين، فلأنني رأيت ذلك بأم العين في بعض ما رافق ويرافق قيام الثورات في بلداننا كل منها وفق أوضاعها الخاصة بها.  الأمر الذي دعاني إلى إصدار كتاب إستحضرت فيه ثورات القرن العشرين جميعها، من ثورة أوكتوبر الاشتراكية وصولاً إلى الثورة الفلسطينية.  وبيّنت في هذا الكتاب الذي أعطيته عنوان “قادة تاريخيون كبار في ثورات القرن العشرين” كيف أن جميع تلك الثورات، من دون إستثناء، لا سيما ثورة أوكتوبر، وهي الثورة الأعظم في تاريخ العالم، قد إنتهت إلى الفشل، لأن أياً منها لم يستخلص الدروس من التاريخ القديم والجديد، ولأن قادتها هم الذين تحملوا المسؤولية عن تفاقم الخلل فيها الذي قادها جميعها إلى الفشل.
إسترسلت في الحديث عن الخلل في الثورات القديمة المتمثل بعسكرة بعضها من جهة، وبإستئثار قادتها في مصائرها من جهة ثانية، وبعدم تعلمها جميعها من تجارب الثورات السابقة عليها من جهة ثالثة.  إسترسلت في هذا البحث وعيناي مركزتان على الواقع الراهن في سوريا وفي ما آلت إليه ثورة شعبها.
لقد وقع الخطأ الذي إرتكبته المعارضة بتحويل الثورة  من سلمية إلى مسلحة، ثم ماذا بعد؟  المفجع في ما تقدمه لنا الأحداث هو أن الأهداف التي من أجلها قامت الثورة تكاد تخلي مكانها لأهداف أخرى مناقضة لها.  ألا يشير إلى ذلك الخطر إستيلاء جهات سلفية تكفيرية من جهات وإتجاهات متعددة على الثورة وعلى الصراع الدائر بإسمها على مستقبل سوريا؟!  لقد تحولت القضية السورية بفعل تلك الوقائع إلى قضية دولية.  ما أشبه ما يواجه سوريا وشعبها اليوم بما واجهنا نحن اللبنانيين في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.  لقد صار مصير سوريا رهن إتفاقات دولية وإقليمية عنوانها مؤتمر جنيف2 الآتي من مؤتمر جنيف1.  إنه تكرار مأساوي للتاريخ عند الشعوب، شعوب بلداننا العربية، وشعوب القارتين الآسيوية والأفريقية على وجه الخصوص.  ومثال سوريا اليوم هو النموذج الصارخ لهذه المأساة البشرية في صيغتها الراهنة!
قد لا يلتئم مؤتمر جنيف2 في الموعد المحدد له رغم كل الجهود المبذولة من أجل إنعقاده.   وإذا ما توفرت الشروط لإلتآمه فلا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكان الوصول إلى حل عادل لمأساة سوريا ولشعبها في زمن قريب.
ما العمل في هذه اللحظة الحرجة، اللحظة التي لم يعد مسموحاً، بإسم الضمير الانساني، عربياً وعالمياً، أن تستمر الكارثة في سوريا ويستمر العرب والعالم يتفرجون عليها بإنتظار “غودو” جنيف2؟ّ!  أطرح هذا السؤال الذي يخرج من أعماق وجداني، وعيني على تاريخ سوريا القديم والحديث وعلى موقعها ودورها، أطرحه أنا المواطن اللبناني الذي كانت سوريا بالنسبة إليّ في سني شبابي الأول المركز الذي ساهم في تكوين شخصيتي داخل صفوف الحزب الشيوعي اللبناني السوري.  وأنا في ذلك فرد من ضمن شعب يرى إلى العلاقة بين لبنان وسوريا وبين الشعبين اللبناني والسوري كحقيقة تاريخية جرى تشويهها في أزمنة الاستبداد وحان وقت إستعادتها إلى طبيعتها الأصلية.
ما العمل لكي تتوقف المجزرة ضد سوريا وضد شعبها؟!  إن لي كلمة هنا أود أن أوجهها إلى أصدقائي ورفاقي وإلى من لا أعرفهم إلا بالاسم وبالتاريخ من أركان المعارضة بكل أطيافها داخل سوريا وخارجها تتلخص بدعوتهم إلى مزيد من العقلانية والواقعية في مواجهة الواقع الصعب الذي تمر فيه سوريا، وإلى الذهاب إلى جنيف2 وإلى أي جنيف آخر، مع الحرص على بذل أقصى الجهد للوصول إلى تسوية توقف المجزرة وتؤمن الانتقال التدريجي إلى المرحلة اللاحقة التي تتحرر فيها سوريا من نظام الطغيان والاستبداد ومن الحركات التكفيرية ومن الدور الذي تمارسه القوى الخارجية.
لقد آن الأوان لكي نتعلم من تجاربنا وتجارب سوانا، القديم والجديد من هذه التجارب، ونتخلى عن العنف بكل أشكاله عندما نقرر في ذات زمان وفي ذات مكان أن نحرر أنفسنا من طاغية هنا ومن نظام إستبدادي هناك ومن سلفية تكفيرية هنالك.
تلك هي الكلمة التي أود أن أسوقها إلى الشعب السوري وإلى شعبي اللبناني وإلى شعوبنا العربية كافة المنخرطة في معركة تحررها وتحرر بلدانها من ماض مليء بالظلم والقهر والتخلف، وفي تهيئة الشروط للدخول في مستقبل مختلف مفتوح على الحرية والتقدم وكرامة الانسان.
كريم مروة ـ المدن

التعليقات