بغداد 15°C
دمشق 9°C
الأحد 29 نوفمبر 2020

مسيحيو حلب… الصورة العامة والموقف والتحيزات


رامز أنطاكي

أين يقف مسيحيو حلب اليوم؟

ماذا عن من يعيش منهم في مناطق المعارضة؟

ماهي نسبة هجرتهم من المدينة؟

هل يستطيع المعارضون منهم حمايتهم من أخطار تتهددهم من التنظيمات المتشددة؟!

          لم تكن الحالة السائدة في سورية قبل الثورة تسمح بإجراء دراسات استبيانية علمية تفضي إلى نتائج تقارب توجهات المواطنين سياسيةً كانت أم غير سياسية إلا فيما ندر، وهي –أي الحالة- اليوم في ظل الثورة لا تتيح أيضاً دراسةً مشابهةً بسبب الحالة الأمنية وحالات النزوح والتهجير والإنقسام المناطقي… رغم ذلك يمكن للمتابع وللمدقق أن يصل إلى نتيجة موضوعية، إلى حد ما، تقول بأن القسم الأكبر من المسيحيين الحلبيين يميلون إلى تأييد النظام، منهم من باب اقتناعهم بأن النظام جيد ومناسب لهم، ومنهم تخوفًا من البديل.

المسيحيون في كنف النظام

          يمكن القول أن بعض المسيحيين الحلبيين الذين كانوا لا مبالين، في الفترة الأولى، تجاه ما يجري في سورية بدءاً من النصف الثاني لآذار 2011، بدؤوا يستشعرون الخطر الذي بات أكثر واقعية وقرباً منهم، مما سرّع في إصطفافهم إلى جانب نظام الأسد. حالة تأييد النظام التي تكاد تكون شبه جماعية على الصعيد المسيحي الحلبي استمرت بالوتيرة ذاتها تقريباً خلال الفترة الماضية، صحيح أنها شهدت فترات صعود وأحيانًا أخرى فترات هبوط تبعاً لما يجري على الأرض من أحداث كتفجيرات وعمليات قصف ومجازر تستهدف هذه الجهة أو تلك، إلا أنها لم تخرج عموماً عن كونها في النهاية مؤيدة للنظام بطريقة أو بأخرى، أو في تعبير أكثر ديبلوماسية، ربما يدخل في باب “التقية السياسية” تفضل النظام باعتباره الأقل سوءاً في نظرها ووفق حساباتها كأقلية.

          المجتمع الحلبي المسيحي الذي قد يعتبر مجتمعاً ضيقاً، بمعنى أنه مجتمع يكاد ينحصر في امتداد سكني محدد تقريباً، يرتاد أفراده ذات الأماكن غالبًا، ويعيشون عاداتٍ متقاربة، ونوعًا من الإنغلاق على الذات، هذا المجتمع بدأ يتململ في الأشهر الأخيرة على نحو علني من ممارسات “الحكومة”، أو سوء أداء هذا أو ذاك من الوزراء، بل حتى من فساد وتخبط ضابط معين كان يتولى إدراة عمليات النظام العسكرية في حلب. لم تصل حالة التململ والانتقاد الجماعية درجة ذكر كلمة “النظام” أو رأسه بالإسم، إنها حالة تململ تعبر عن نفسها بعرائض جماعية جريئة نسبيًا -مقارنة بزمن ما قبل الثورة- موجهة إلى المحافظ أو إلى “السيد الرئيس”، يدخل بعضها تحت تصنيف “نعلم أنك لا تعلم ماذا يفعل من هم تحت أمرتك”!… إنها حالة تذكر نوعًا ما بقسم الشكاوى في جريدة الثورة والبعث وتشرين في السنوات الخالية. والملفت في حالة التململ هذه أنها لا تنفك غالبًا عن التذكير بوفاء أهل حلب (المسيحيين منهم ضمنًا) للنظام ولرأسه وللجيش.

المسيحيون في حلب “المعارضة”

          كل ما ورد أعلاه يختص بالمسيحيين المقيمين في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات النظام، والتي اصطلح البعض على تسميتها بالمناطق “المحتلة”، إذ إن المناطق التي تقع تحت سيطرة  المعارضة لا تعتبر بأغلبها مناطق سكنية مسيحية، وحتى تلك المناطق القليلة التي تضم سكاناً مسيحيين فرغت منهم على نحو شبه تام أثناء أو بعد سيطرة قوات المعارضة عليها.

          عندما يتم الحديث عن أحياء “محررة” تعتبر مناطق سكنية للمسيحيين أو مناطق سكنية مختلطة دينيًا، فإننا إنما نتكلم على نحو حصري تقريبًا عن مناطق: الجديدة، الميدان، الأشرفية، الشيخ مقصود-جبل السيدة ومحيطها. عدد لا يستهان به من سكان هذه الأحياء بمسلميهم ومسيحييهم نزحوا إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا، إما إلى المنطقة “المحتلة” وهذا ما فعله المسيحيون منهم، أو إلى عمق المنطقة “المحررة”، منهم من عاد بعد إستقرار الحالة الأمنية نسبياً وإستتباب السيطرة لهذه الجهة أو تلك، لكن المسيحيين منهم لم يعودوا مفضلين البقاء في مناطق تسيطر عليها قوات النظام رغم الصعوبات التي تواجههم هناك بعيداً عن منازلهم الإعتيادية، ولا بد هنا من الإشارة إلى حصول حالات نهب واسعة ومنظمة لعدد كبير من الشقق السكنية العائدة لعائلات مسلمة وأخرى مسيحية خصوصاً في منطقة الشيخ مقصود-جبل السيدة على يد بعض الكتائب المعارضة.

          ما عدا مأوى لكبار السن تابع لإحدى الطوائف المسيحية، وبعض الذين منعتهم ظروفهم القاهرة عن النزوح من “المحرر” إلى “المحتل” لا يمكن الحديث عن وجود مسيحي في القسم “المحرر” من حلب المدينة، دون أن ننسى وجود عدد ضئيل جدًا قد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين من الناشطين المسيحيين، الذين كانوا من سكان المنطقة “المحتلة” بالأصل ونزحوا منها إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة رغبة منهم في ممارسة نشاطهم بحرية وهرباً من الإعتقال الذي كان ممارسة تحتكرها أجهزة النظام الأمنية.

          خلال الشهور الماضية كانت التضييق على النشطاء في القسم “المحرر” من حلب يتزايد على يد الكتائب المسلحة ذات الطابع الإسلامي المتطرف، مقاتلي “داعش” على وجه التحديد كانوا مصدر قلق حقيقي، وتهديد خطير وفعلي لهؤلاء النشطاء، وبطبيعة الحال كان الناشط المسيحي هدفاً مضاعفاً بالنسبة لهؤلاء المقاتلين، هذا التضييق انعكس سلباً على فاعلية النشطاء وقدرتهم على التحرك، ويرجح أن تكون المرحلة المقبلة أفضل على هذا الصعيد بعد الأحداث الأخيرة التي أفضت إلى خروج مقاتلي “داعش” على نحو واسع من حلب.

نزوح مسيحي

          لا شك أن نسبة لا يمكن أن توصف بالضئيلة من مسيحيي حلب قد هجروا مدينتهم. مقاصدهم تنوعت بين الداخل السوري من جهة: اللاذقية وطرطوس، وادي النصارى، وحتى دمشق… والخارج من جهة أخرى: لبنان حيث بات لهم هناك بدايات تجمعات واضحة، أرمينيا التي توجها إليها الأرمن بطبيعة الحال أو من إستطاع الإستحصال على جواز سفر أرميني بحكم إنتماءه أو إنتماء زوجته إلى الكنيسة الأرمنية بشقيها الكاثوليكي والأورثوذكسي، وأيضًا بعض الدول الأوروبية والمهاجر التقليدية كأميركا وكندا وأوستراليا، خاصة لمن حمل جنسية إحدى تلك البلدان إلى جانب جنسيته السورية أو بطاقة إقامة في واحدةٍ منها.

          هذه الهجرة وإن لم تتضمن دومًا نية الهجرة الدائمة، شملت الحلبيين المسيحيين بكافة أطيافهم، مما انعكس تضاؤلاً في عدد من تبقى من معارضين منهم في حلب، دون أن ننسى أن عددهم انحسر بعض الشيء في مرحلة سابقة مع صعود التيار الإسلامي في الثورة ليضاف تضييق هذا التيار على الناشطين إلى المشكلة الأساس المتمثلة في النظام وممارساته بحق الشعب السوري.

          مع بروز مقاتلين أجانب على الساحة السورية، وتصاعد النزعة الطائفية، وتفاقم أعمال العنف المتبادلة التي وصلت حدوداً غير مسبوقة، وأيضاً تجذر الإنقسام في البنية المجتمعية بين مؤيدين ومعارضين بالإضافة إلى إنحسار نشاط المعارضين المدنيين لحساب العمل العسكري الذي لم يُعرف عن المعارضين المسيحيين في حلب دخولهم معتركه… مع كل ما سبق بات واضحاً أن المعارضين المسيحيين للنظام في حلب، لا يمتلكون القدرة على توفير حماية فعالة وحقيقية لمجتمعهم المسيحي، في وجه أي تهديد أو خطر قد يستهدفه من قبل مقاتلي المعارضة في المستقبل، مجتمعهم هذا نفسه لا يتوقع منهم فعلياً حماية مماثلة، بل إنه يكاد يضطهدهم لإختلافهم معه في الرأي تجاه الثورة.


التعليقات