بغداد 31°C
دمشق 27°C
الإثنين 28 سبتمبر 2020

احتلال الثورة !


  اذا كان صحيحا ان الثورة والحرب هما صراع ارادات ، يكون من الصحيح  ايضا ان قهر الثورة وكسب الحرب يمكن ان يكونا فعلين خارجيين او داخليين ، أي ان الثورة يمكن ان تحتل من الداخل بواسطة اعدائها ، فيقال عندئذ إنها سرقت ، وأن من لم يقوموا بها هم الذين وضعوا يدهم عليها ، بينما يقال عن الحرب إنه تم كسبها قبل خوضها، لأن احد اطرافها اقام تفوقا كاسحا على غيره، اقنعه بأن خوض الحرب لن يجلب له غير الهزيمة ، وان من الافضل له تفاديها ، لان خسائره ستكون في هذه الحالة اقل من خسائره في حال غامر وخاضها وتعرض للدمار باسلحة عدوه . يقال إن لا وتسي ، الاستراتيجي الصيني الكبير ، هو الذي نصح اباطرة الصين بالعمل على اعداد جيوش تستطيع كسب الحرب دون خوض معارك ، لان كسب الحرب دون قتال هو الانتصار الاعظم الذي يمكن لاية قوة احرازه .
  ليس هناك دولة تحترم نفسها إلا وتحاول استخدام الاختراق الداخلي او التطويق الخارجي لاحتواء او لكسر ارادة خصومها واعدائها . وليس هناك سلطة تحترم نفسها وتستحق صفة الوطنية تمارس هذين الاسلوبين لمواجهة مطالب شعبها التي وصفها رئيسها في خطب متعاقبة بالمشروعة والمحقة ، او تستخدمهما لكسر ارادة الحرية لدى مجتمعها ومواطنيها ، على غرار ما فعله نظام الاسد ، الذي عمل طيلة نصف قرن لاقامة ميزان قوى يستطيع احتواء اي حراك داخلي مهما بلغ من الاتساع ، استكمله باختراقات داخلية واسعة جدا وعميقة لمختلف قطاعات المجتمع وفئاته، ولاحزابه وتنظيماته ، بما في ذلك الموالية له، وخاصة منها حزب البعث ، الذي يضم تجمعات عشوائي لمواطنات ومواطنين يخضعون لمراقبة دائمة من تنظيم امني / مخابراتي عابر له ، ينقل تفاصيل حركاته وسكناته إلى اهل السلطة ، ويضعه تحت اعينهم الساهرة ، التي ترى فيه شيئا نافلا تفضل لو انه لم يوجد اصلا ، صحيح انه لا يضم غير مواطنين مخلصين وخانعين، الا انهم يحتلون مواقع تتيح لهم الحاق الاذى به ان هم انفكوا عنه في اية ازمة محتملة ، فلا مفر من اخضاعهم لرقابة صارمة كتلك التي يخضع لها اي تنظيم معاد !.
  لم ينفع ميزان القوى الذي خال النظام انه اقامه في احتواء الثورة ، رغم العنف الذي استخدمه ضدها جيشه المسلح حتى الانياب ، والمؤيد عموما لقمع وقتل من قاموا بها . ان نجاح الثورة في بناء جيش خاص بها وسط حمأة الصراع، ورغم تعرضها لاقسى انواع العنف الرسمي ، هو من اعاجيبها الفذة. ومنها ايضا نجاح التمرد الشعبي والمجتمعي وتصميمه على المضي حتى نهاية الشوط في الحيلولة بين عنف النظام المتصاعد بلا توقف وبين كبح نمو الجيش السوري الحر وتزايد انتصاراته الى الحد الذي مكنه من اقامة توازن استراتيجي مع جيش افضل تسليحا واقوى منه بكثير .
   هذا الفشل دفع النظام إلى اعتماد سياسات تقوم على اختراق الثورة ، وتوسيع الخرق تدريجيا كي ينقلب الى احتلال من الداخل ، من الباطن . هذا ما اراد تحقيقه بادوات غير مكشوفة ،كانت تبدو بعيدة عنه، بل ومعادية له مثل “داعش”، “الدولة الاسلامية في العراق والشام” ، التي غزت سوريا من الشرق ، بينما غزاها حزب الله من الغرب وكثف النظام عملياته في الشمال والجنوب ، من ضمن هجوم متكامل ومتزامن وشامل . ومع ان دور حزب الله كان مكشوفا بسبب تبعيته لايران، فإن دور “داعش” كان مختلفا ، فالتنظيم بدا خارجا عن اي سياق او نسق شرعي او دولوي معترف به ، واعتبر جزءا من القاعدة ، التنظيم الذي يقاتل العالم بأسره ، ولا يقر بالتبعية لاي نظام مهما كانت طبيعته ، لذلك لن يصدق احد انه يخدم نظاما متهما بالتبعية لطائفة منشقة ومعادية للاسلام، وانه يعينه على كسر شوكة اهل السنة .
  لعبت “داعش” هذا الدور انطلاقا من استقلاليتها المزعومة عن النظام،وتصدت لمهمة دقيقة هي احتلال الثورة من داخلها والحلول محل القوى التي اطلقتها، وصار عليها قضمها تدريجيا ومقاتلتها باعتبارها قوى كافرة لن تنجح ثورة اسلامية على يديها . وقد كادت “داعش” ان تنجز مهمتها ، بعد ان انتشرت في سورية انتشار النار في الهشيم ، ووضعت الريف في مواجهة المدينة ، وفرضت حيثما حلت نظاما اشد استبدادا وقسوة من نظام الاسد ، وطهرت عديدا من المناطق المحررة من محرريها ، ولاحقت وقتلت مننظمي الثورة من الشباب والديمقراطيين ، فبدت سورية وكأنها ذاهبة الى استقطاب جديد حده الاول النظام وحده الثاني “داعش” ، هو بديل الاستقطاب الذي صنعته الثورة بحديه المتنافيين: النظام والشعب .
  واليوم ، تكسر الثورة الغلاف “الداعشي “وتخرج منه الى درب الحرية التي راهنت عليها منذ يومها الاول ، دون ان يعني ذلك ان معركتها ستكون سهلة مع التنظيم الاجرامي ، او مع النظام الذي كلفه باحتلالها من الداخل ، وسيبحث دون  شك عن طرق جديدة لتحقيق هدفه : القضاء عليها باحتلالها على يد قوى تتسلل اليها ، تشبهها في الظاهر ، وتعاديها في كل ما عداه ، يثير دورها قدرا من البلبلة والاضطراب يسهم في انتصارها .
  تتعرض “داعش” اليوم لهزائم جدية ، لا ينفع دعم النظام في الحؤول دونها ، مما يضعنا امام منعطف فائق الاهمية،  يمكن ان لا يكون ما بعده شبيها باية حال من الاحوال بما كان قبله !. فهل نغتنمها هذه الفرصة ونعيد الثورة الى موقعها الصحيح كبديل للنظام ؟.
ميشيل كيلو ـ المدن

التعليقات