بغداد 33°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

«جنيف – 2» والولادة المستعصية!


أي حديث عن معجزة ستخرج من «جنيف – 2» سيكون ضرباً من الخيال، بل إن أي كلام عن إنجازات أو نتائج إيجابية أو حلول سحرية ما زال سابقاً لأوانه أو في حكم المحال، فالترتيبات ملتبسة والتحضيرات عبثية والدعوات فضفاضة وجدول الأعمال متناقض، وكل ما عدا ذلك سراب في سراب.

فقد كان من المنطقي أن تجري سلسلة لقاءات واجتماعات تمهيدية وتشكيل لجان مشتركة تبحث مختلف التفاصيل وتحاول أن تتوصل إلى الحد الأدنى من نقاط البحث والنقاش، بينما الواقع يدلنا على أن من يقوم بالتحضير لا هم له سوى غسل يديه من دماء السوريين وإيهام الناس أنه أدى دوره إلى العلى وبذل جهداً لإيجاد حلول عرقلها الآخرون.جنيف2

ويبدو واضحاً الآن أن مؤتمر «جنيف -2» إن عُقد سيتم إجهاضه وهو جنين، أو أن يموت وهو ما زال في مهده بعد ولادة متعثرة ومستعصية يشترك في ارتكاب جريمتها كل الأطراف بعد أن تركوا الشعب السوري وحيداً وشاركوا في تدمير بلد حضاري في مواقف مذلة تتراوح بين اللامبالاة والشماتة والتشفي وصب الزيت على النار وغياب الوجدان والضمير لدى ما يسمى زوراً وبهتاناً الرأي العام العالمي وقياداته الجوفاء.

وزاد في هول الحدث عقلية البعد من الواقع وتجاهل حجم المأساة والالتفات إلى قضايا ثانوية: مثل: من سيحضر، ومن دعي ومن لا يدعى، ومن يجب أن يشارك ومن لا يشارك.

هل من المعقول أن نرى شلالات الدم تغمر البلاد وجحافل اللاجئين والنازحين تتعاظم، والأطفال يموتون جوعاً وبرداً ثم نسمع أن المؤتمر ستشارك فيه أكثر من 25 دولة، ما يعني أن القضية ستضيع بين أرجل الوفود وتتحول من ألفها إلى يائها مسرحية مضحكة مبكية، أو حفلة خطابية تتبارى فيها الدول في تدبيج الكلام والدجل والنفاق والمزايدات الخطابية، بينما نحن لا ننسى أن هذه الدول نفسها هي التي تركت سورية تغرق في بحر من الدماء وتغمر بجبال من الدمار والأطلال لأكثر من ثلاث سنوات.

هذا من حيث الشكل، أما من حيث الجوهر، فإن أسباباً كثيرة تدفعنا إلى توقع تحويل المؤتمر، إن عُقد في موعده، مجرد مناسبة للكلام وتضييع الوقت والادعاء بالسعي إلى عمل شيء أو بذل جهد لحل هذه المعضلة المتشابكة والمعقدة، والتي تحولت حالة صراع عربي– إقليمي– دولي.

ومن بين الأسباب الجوهرية الداعية إلى توقع الصعوبات وحقول الألغام وأسباب الفشل، ولو عمل القيمون على تأجيله والادعاء بوجود أمل جديد وانتظار تحرك آخر في زمن ما، يوماً ما أو شهراً ما أو سنة ما، أن الجراح تهدأ وتنام وعمر الجرح السوري أطول من الأيام؟

ومن الأسباب الأخرى عدم توافر الإرادة الدولية الحقيقية لإنهاء المأساة السورية، فالاتصالات بين الدول الكبرى تجري في السر، وبعضها في العلن، وكلها يدور حول تبادل المصالح والمنافع وعقد الصفقات وتأمين مصالح إسرائيل وأمنها عبر نزع السلاح الكيماوي من سورية ونزع السلاح النووي من إيران نتيجة الاتفاق الذي عقد أخيراً لحل مسألة الملف النووي الإيراني، وينتظر أن يستكمل رسم خطوطه النهائية بعد انتهاء فترة الأشهر الستة.

هذا من دون أن ننسى ما يعقد من صفقات مختلفة تتناول السلاح والنفط والغاز وإعادة تركيب خريطة مناطق النفوذ الأجنبي بعد انتهاء حقبة «معاهدة يالطا» والاتفاق على ضرورة تجديد عقودها وتفاهماتها على حساب شعوب المنطقة ومصالحها وثرواتها وأرواح أبنائها.

أما الأسباب العملية الداعية إلى عدم توقع نتائج إيجابية لمؤتمر «جنيف – 2» فهي كثيرة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

• عدم بذل أي جهد لوقف نزيف الدم، أو على الأقل إعلان هدنة خلال فترة انعقاد المؤتمر كبادرة حسن نية، ففي أي حدث عالمي وأي جهد بعد نشوب حرب، يتم التركيز على مفاوضات لوقف إطلاق النار، إلا في الشأن السوري تُرك هذا الموضوع الحيوي من دون بحث ومن دون تقديم أي تفسير أو تبرير.

• لو فرضنا جدلاً أن وقف إطلاق النار صعب، فلماذا لا يتم التركيز على القضايا الإنسانية مثل محنة اللاجئين ومعاناتهم وقضايا النازحين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية كخطوة أولى ضرورية في طريق السلام الطويل المحفوف بالأخطار وبحقول الألغام.

• عدم عقد لقاءات تمهيدية بين أطراف النزاع بمشاركة رعاة المؤتمر، إلا إذا كان المطلوب هو وصول الوفود إلى قاعة الجلسات «صم بكم عمي لا يعمهون» ولا يعرفون ماذا سيبحثون، فتتحول القضية من محاولة إيجاد حل سلمي للأزمة إلى ساحة للخطابات وربما تبادل الاتهامات… والشتائم ورمي المسؤولية على عاتق الآخرين.

• عدم الاتفاق على صيغة الدعوات، والدول المدعوة، ولا سيما بالنسبة إلى إيران وسورية وروسيا، التي تصر على المشاركة، بينما المعارضة تقف ضدها، على اعتبار أنها طرف أساسي وتدعم أطرافاً تشارك فعلياً في المعارك.

• حتى هذه الساعة لا توجد بارقة أمل في الاتفاق لأسباب كثيرة، أهمها عدم وجود أي اعتراف متبادل بين الطرفين، أي النظام السوري والمعارضة، فالدولة تعتبر المعارضين مجرد جماعات مسلحة وإرهابية ستتمكن من القضاء عليها بالحل العسكري، بينما لا تعترف المعارضة بالنظام وتطالب بإسقاطه وعدم مشاركته في إدارة المرحلة الانتقالية، مع الأخذ بعين الاعتبار قرب حلول موعد الاستحقاق الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس.

• الاختلاف الكامل في تفسير بنود اتفاق «جنيف – 2»، ولا سيما ما يتعلق منها بالمرحلة الانتقالية ودور الرئيس بشار الأسد وشكل الحكومة الانتقالية وصلاحياتها، فمن الصعب، إن لم يكن مستحيلاً إيجاد قاسم مشترك بين الموقفين، فالمعارضة تذهب إلى جنيف وهي تظن أنها ستنال حق تشكيل حكومة تدير المرحلة الانتقالية، بينما يذهب النظام بقرار حاسم يقول انه سيبقى، ويفسر «جنيف – 1» على هذا الأساس.

• وجود تعقيدات كبيرة وعقبات صعبة الحل في مجريات المؤتمر وقدرات الوفود المشاركة في التأثير على قوى دخلت إلى الساحة وصارت جزءاً من المشكلة ومن الصعب أن تكون جزءاً من الحل، مثل المنظمات المتشددة والموصوفة بالإرهاب، مثل «داعش» و «جبهة النصرة»، يقابلها في القاطع الآخر «حزب الله» و «أبو الفضل العباس» والحرس الثوري الإيراني، فلو فرضنا جدلاً أن الاتفاق قد تم على وقف إطلاق النار أولاً، من الذي سيفرض على هذه القوى الالتزام؟ ومن سيشرف على التنفيذ؟ كما أن المعارضة لم توحد صفوفها، وهناك حاجة إلى التنسيق بين «الائتلاف الوطني» و «الجيش الحر» و «الجبهة الإسلامية» والفصائل الأخرى، وإلا فإن أي اتفاق سيكون مجرد حبر على ورق، مع العلم أن الاتفاق مستحيل، لأن النظام أعلن سلفاً أنه لن يذهب إلى جنيف لتسليم السلطة إلى المعارضين أو إلى التخلي عن صلاحياته.

وهذا غيض من فيض المشاكل والعقبات والعراقيل التي لا توحي بالخير ولا تبشر باتفاق إلا إذا حصلت معجزة ما… وهذا مستحيل. ومن المرجح أن تتحول الجلسات إلى حفلات خطابية يدلي كل من هب ودب بدلوه ثم ينفرط عقد الاجتماع ويتفرق العشاق بعد أن غسلوا أيديهم من دم السوريين، فكل ما يحضّر في «جنيف – 2» باطل وغير مجد إلا إذا اعتبرنا أن مجرد انعقاده هو خطوة على طريق الحل، أو هو اعتراف بوجوب الحل ولو بعد حين، لتكون سورية قد دمرت بالكامل ولم يعد فيها مجال لعقد «جنيف – 3» ولا «جنيف 2000». وحتى نكون عمليين، فإن أي حل لا يتم إلا بالتخلي عن العناد وقبول تقديم تنازلات للوصول إلى حل وسط، وهذا مطلوب من طرفي الأزمة، وفي المقابل، لا بد من توافر قرار دولي حازم بإنهاء المأساة ووقف نزيف الدم، وعندما يتم ذلك يمكن القول: «اشتدي أزمة تنفرجي»، وإن تباشير السلام قادمة ليتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا البلد الجميل… والعريق.

عرفان نظام الدين ـ الحياة


التعليقات