بغداد 16°C
دمشق 9°C
السبت 28 نوفمبر 2020

موعد لبناني سوري


لعلها مجرد صدفة ان يتزامن السعي الحثيث لتشكيل حكومة لبنانية جديدة مع التحضير الكثيف لعقد مؤتمر جنيف 2 السوري. يصعب العثور على نقطة التقاء بين هذين الخطين المتوازيين. لكن ثمة ما يسمح بالمقارنة بين المسعيين، استنادا الى معطيات سابقة، ليس بينها، بالطبع، وحدة المسار والمصير الشهيرة.

سورية ولبنان

في الظاهر يبدو انه لا مجال لاقامة اي صلة ثابتة بينهما، ولا مجال حتى للتكهن بان من يخطط لكي تولد الحكومة اللبنانية العتيدة في اليوم الذي سيفتتح فيه مؤتمر جنيف 2 في الثاني والعشرين من الشهر الحالي. ما زال المرجح الا تشكل تلك الحكومة وألا ينعقد ذلك المؤتمر في هذا اليوم الموعود، وان يدخل اللبنانيون والسوريون معا في دوامة جديدة من الفراغ والفوضى والحرب.
  لكن شروط تشكيل الحكومة اللبنانية، وشروط انعقاد جنيف 2 متشابهة الى بعيد، وان كان يصعب الجزم في وجود ادارة سياسية واحدة، سعودية في هذه الحالة، تعرقل او تبدي اعتراضا على السير في هذين الاتجاهين،وتنصح حلفاءها بالتمهل والعمل على تعديل موازين القوى اللبنانية والسورية، على اعتبار ان هاتين الخطوتين هما الاختبار الجدي لرغبة ايران في اعتماد نهج الانفتاح والمصالحة، ولقدرة اميركا وروسيا على الاخذ في الاعتبار المصالح الحيوية السعودية في اي تسوية نووية-سياسية مع طهران.. حيث يفصح المسؤولون السعوديون عن نظرية سياسية جديدة، مفادها ان بلادهم تقاتل الايرانيين في سوريا والعراق ولبنان واليمن، لكي لا تضطر الى قتالهم يوما ما في الرياض او جدة او في المنطقة الشرقية!
في الحالتين يبدو العامل السعودي حاسما في تشكيل الموقف اللبناني والسوري من الحكومة الجديدة ومن جنيف 2. لم تعلن الرياض صراحة انها تعارض للتفاهم اللبناني اللبناني او للتواصل السوري السوري، لكن سلوكها لا يدع مجالا للشك في انها ترى في هذين الاحتمالين خيارا سابقا لاوانه.. طالما ان خصومها في البلدين يلحان على التسوية السياسية ويعتبران انها مخرجهما الوحيد من مأزق امني وسياسي لا سابق له. الانتظار وحده هو بهذا المعنى مصلحة سعودية مؤكدة.
لكن المشكلة في هذا الموقف هي ان القوى التي تعتمد عليها السعودية ليست مؤهلة حتى لسياسة الانتظار، وهي بالتالي لن تكون قادرة على انتزاع المكاسب المرجوة من الخصوم: فريق 14 آذار يعادل المعارضة السورية ويشبهها، وكلاهما يعرف ان الذهاب الى تسوية الان،سواء في بعبدا او في جنيف، يعني تفكيك جبهته وشرذمة صفوفه، وخسارته معظم رهانات المستقبل.. وكلاهما يدرك ايضا ان الرياض تخوض معركة عشوائية، ليس لها نصير لا في واشنطن ولا في موسكو ولا في اي عاصمة كبرى، وهي بالتالي عرضة للانكفاء والتراجع في اي وقت، نتيجة ضغوط خارجية او حتى متغيرات داخلية.
بكلمة اخرى، لا تستطيع الرياض في ظرفها السياسي الراهن ان تمنع تشكيل حكومة جديدة في لبنان او تعطل انعقاد مؤتمر جنيف 2. وهو استنتاج الحلفاء كما الخصوم، على حد سواء. لكنها تقدر على افراغ الحدثين من مضمونهما. يمكن ان تنتزع في الحالتين بعض التنازلات الشكلية، مثل تخفيض مكانة حزب الله والحد من شرعية سلاحه، وابقاء الوفد الايراني خارج قاعة الافتتاح الرسمية في جنيف. لكن ذلك يدخل في باب المجاملات التي لن تصمد طويلا، ولن يكون بامكان اي طرف استثمارها.
وتتفاقم المعضلة عندما يتضح ان حلفاء الرياض اللبنانيين يفتقرون الى الحد الادنى من النباهة وتحديدا في اصرارهم على خروج حزب الله من سوريا، مع ان هذا هو الشرط الوحيد الذي يفترض ان يسقط من جدول اعمال التفاوض حول تشكيل الحكومة،لانه سيصبح في مرحلة لاحقة مطلب الحزب نفسه..وعندما يظهر ان تأليف وفد سوري موحد الى مؤتمر جنيف هو من المستحيلات التي يقف العالم كله عاجزا امامها، حتى بعد الانقلاب المضاد الاخير في صفوف المعارضة على تنظيم “داعش”.
اللبنانيون والسوريون على موعد واحد، لكنهم ليسوا بالطبع على مسار واحد.
ساطع نور الدين ـ المدن

التعليقات