بغداد 15°C
دمشق 7°C
الأحد 29 نوفمبر 2020

منظمات إغاثة ودعم اللاجئين السوريين… افتقار للعمل المؤسساتي وسوء في التنسيق


JORDAN

رامز أنطاكي

تطورات الثورة السورية التي تقترب من إتمام عامها الثالث، وطريقة تعاطي النظام السوري معها التي فاقت بوحشيتها ودمويتها أغلب التوقعات -إن لم تكن كلها- أفرزت مآسي لا حصر لها على صعيد الكم والنوع، فإلى جانب عدد الوفيات الذي فاق رسمياً مئة وعشرين ألف حالة، والإصابات والإعاقات، هناك حالات نزوح ولجوء، داخل سورية وخارجها شملت ملايين السوريين وأنتجت فقراً وتشرداً وحرماناً في مجالاتٍ شتّى، وتطلبت تدخل منظماتٍ إنسانية وإغاثية دولية ، ونشوء جمعياتٍ ومؤسساتٍ سورية حاولت وتحاول تدارك الأضرار الكارثية التي نتجت، والأخذ بيد من يحتاج المساعدة من السوريين قدر الإمكان.

السعي القديم للنظام السوري لمنع وجود وتطور أي مؤسسات مجتمع مدني وأهلي وحتى المبادرات الفردية التي تهدف إلى الخير العام في الداخل السوري كان له إنعكاسات سلبية جليّة قد تكون أسهمت في إندلاع الثورة، وقد اتضح حجم المشكلة خلال الثورة عبر لحظ ندرة التجمعات المدنية المنظمة القادرة على التعامل مع مآسي الحالة السورية، فنشأت بالتالي جمعيات ومؤسسات في أماكن مختلفة ضمن سورية والدول المحيطة خصوصاً هدفت بأغلبها لسدّ شيء من النقص في العمل الإغاثي وما يرافقه من ضروريات لازمة للمتضررين مما جرى ويجري في سورية، لكن نقاط ضعف كثيرة لدى هذه الجمعيات والمؤسسات لم تتأخر في الظهور والتأثير الذي حدّ من قدرتها على أداء المهام التي نشأت من أجلها.

تراشق تهم..

الاتهامات المتعددة بالثراء الشخصي على حساب العمل الإغاثي، تهمٌ ترددت كثيراً في مجتمع اللجوء السوري وبين ناشطيه، تهمٌ لم توفر أحداً لكنها أيضاً افتقرت للأدلة الـمُثبِتة في أغلب الحالات، تتحدث “سميرة” التي سبق لها أن عملت في أحد الفروع اللبنانية لمؤسسة مسجلة في أوروبا عن تمويلٍ خارجي المصدر بعشرات ألوف الدولارات لمشاريع تهتم باللاجئين السوريين في لبنان، وبالأطفال منهم على نحو خاص.. “مشاريع بقي بعضها حتى اليوم مجرد مخططات على الورق رغم الحصول على التمويل اللازم لها، ومشاريع أخرى نفذ جزء بسيط منها وأهمل ما تبقى مما تم الإتفاق عليه مع الجهة الممولة لتذهب الأموال المخصصة في النهاية إلى جيوب بعض المستفيدين الذين يراعون على الدوام تكريس جهدٍ مدروس لعمل إعلامي يسوّق نجاحات وهمية أو واهية، ويزرع ثقة أوليّة بعمل هذه المؤسسة لدى من لا يسمح له وضعه معرفة حقيقتها”.

لم يكن من سميرة إلا أن استقالت من العمل ضمن هذه المؤسسة التي بقيت توظف بعضاً من السوريين الذي يقبلون بعملٍ مشابه أو لا تسمح لهم ظروفهم بالتخلي عن المقابل المادي الذي يتقاضونه لقاء مهامهم رغم بساطته.

بعيداً عن سوء النية وقلة الأمانة، شابت العلاقة بين بعض الجمعيات المعنية باللاجئين السوريين والمنظمات الأجنبية الممولة لها صعوباتٌ جدية، تعود في السواد الأعظم من الحالات إلى قلّة خبرة الناشطين السوريين في التعاطي مع هذه المؤسسات وفق المنهجيات المعتادة التي تتطلب تخطيطاً واضحاً ومفصلاً للمشاريع التي يُطلب لها التمويل، ومتابعة دورية دقيقة لحسن تنفيذها على نحو مدروس وفق معايير يصعب على المؤسسات الغربية الممولة التنازل عنه، بل أنها تتوقعه وتعتبره أمراً شبه بديهي جراء الجهل الحاصل بواقع الأمور وسيرها في بلادنا.

لاجئ

أزمة تواصل

إفتقار عدد كبير من الناشطين السوريين إلى المعرفة الكافية باللغات الأجنبية، الإنكليزية والفرنسية خصوصاً، لعب دوراً سلبياً أيضاً، كما أن اعتيادهم على العمل الإغاثي كهواةٍ لا كمحترفين ترجم غالباً على شكل نتائج غير مرضية، ولكن الموضوعية تفرض أن ننقل التأثير السيء الآتي من الجهة الممولة نفسها، والتي نقلها إلينا “شاكر المقدسي”: “واجهنا مع ممولينا بيروقراطية غير متوقعة من غربيين! كانت أمور مستعجلة تتطلب أياماً طويلة من إنتظار موافقات ومراسلات وأعمال ورقية. كنت أتفهم حرصهم على تشديد الرقابة المالية، لكن الأمر لم يكن يستحق ذلك في معظم المرات، كما أن التعامل المشترك المديد بيننا يفترض تطوراً إيجابياً على هذا الصعيد”.

في الإطار ذاته أخبرنا متطوع أجنبي يجيد اللغة العربية، سبق له أن عمل في مركز تعليمي يهتم بأطفال سوريين لاجئين في لبنان عن صعوبات مختلفة: “كان المشروع التعليمي يتطلب مبلغاً معيناً من المال للانطلاق به وتأمين استمراريته حسب المدة المتفق عليها مع الجهة الأجنبية الراعية. حصلنا على التمويل الكافي، لكنه أتى موزعاً على أبواب معينة للصرف لا تتطابق مع واقع الحال والحاجة، إذ كان من المؤسف حقاً أن يتم تخصيص مبلغ ضخم لتجهيز قاعة مزودة بأجهزة كومبيوتر شديدة التطور قياساً بما يلزم فعلاً، بينما يلاحظ مبلغ ضئيل وغير كاف على الإطلاق لتأمين تدفئة صفوف الأطفال خلال فصل الشتاء… كنت أفضل تخصيص تمويلٍ لتأمين أحذية ومعاطف ملائمة لأطفال يأتون إلى صفوفهم مرتدين نعال وملابس رقيقة على تمويل دورة مدتها شهر يلقي خلالها أجنبي متخصص دروساً في العدالة الإنتقالية!”.

عمل السوريين الناشطين في هذه المؤسسات كهواة لا كمحترفين في حالاتٍ كثيرة كما ورد آنفاً، أدى إلى هدر في الموارد، وتبديد في الوقت، والحاجة إلى إعادة إنجاز بعض الأعمال، كما أن ضعف التنسيق تجلى أحياناً في تركيز طاقات وإمكانيات أكثر من جمعية واحدة في مشروع شبه متطابق لجهة الأهداف والمستهدفين. وفي الإطار ذاته يمكن التكلم عن حالات نجاح مهمة لمنظمات مشابهة، لكنها نجاحات قامت على أساس فردٍ أو أفرادٍ موهوبين ومحترفين أحياناً، وستبقى هذه النجاحات غير قابلة للتكرار إن غاب هؤلاء الأفراد لسبب من الأسباب، إذ إن هذه المنظمات لم تبنى على أسس العمل المؤسساتي مما يجعل مسيرةً ناجحة تتلاشى بغياب بعض الأفراد، فتكاد المنظمة تنهار بغياب فرد أو فردين من أصحاب الأدوار المركزية.

احتيال

لبعض المستفيدين في الداخل والخارج السوري دورٌ سلبي أيضاً، إذ صار من الممكن اليوم الحديث عمن صار اللجوء “مهنة” لهم! فتراهم يتنقلون بين مراكز الجمعيات والمؤسسات للإستحصال على مساعدات متعددة مادية أو عينية، ويأتي بعضهم من الداخل السوري إلى لبنان ليسجلوا أنفسهم كلاجئين ليستحصلوا على مساعداتٍ غذائية ويعودوا بها إلى مناطق في سورية. هذه السلوكيات تحرم من هم أكثر حاجة من المساعدات، وتساهم في نشر سمعة سيئة غير محقة عن الجمعيات على لسان السوريين الذين ترفض الجمعيات مساعدتهم بعد أن تكتشف تنقلهم بين مختلف الجمعيات والإستفادة لأكثر من مرة في وقت واحد من المساعدة.

الممارسات والسلوكيات السلبية التي عرضت أعلاه، المقصود منها وغير المقصود، قد تؤدي، إن لم تكن قد أدت فعلاً، إلى إحجام الممولين عن تمويل مشاريع جديدة هي ضرورية للاجئين، كما أن تعميم سمعة سيئة على المنظمات السورية المعنية جراء سوء تصرف بعضها، عن سوء نية أو عن قلة خبرة، يحرم المنظمات السورية التي أثبتت حرفيتها وجدارتها وأمانتها فرصاً مهمة للتوسع وإستيعاب مزيد من السوريين اللاجئين ضمن مشاريعها وبرامجها.


التعليقات