بغداد 29°C
دمشق 25°C
الإثنين 21 سبتمبر 2020

آخر أيام المعارضة أيضاً


معارضة1

فقط قبل أربعة أيام من انعقاده وافق ائتلاف المعارضة رسمياً على حضور جنيف2، القرار لم يفاجئ أحداً من متابعي الشأن السوري رغم التردّد الذي أبداه الائتلاف من قبل، ورغم تهديد ثلث أعضائه وكتل وازنة منه بالانسحاب على خلفية المشاركة، فقد كان مفهوماً على نطاق واسع أن الائتلاف سيشارك إن لم يكن بإرادة أعضائه فبالضغوط الدولية لأصدقائه. القرار هذا أتى بغالبية النصف + واحد من أعضاء الائتلاف، لكن الأهم ليست النسبة الضعيفة التي أتى بها وإنما قصر المدة التي تفصل بينه وبين إعداد وفد المعارضة إلى المؤتمر، بخاصة إذا أخذنا في الحسبان نص الدعوة الذي يفوّض الائتلاف بتشكيل الوفد من دون أن يحصر الأخير بأعضاء الائتلاف، أي أن الكرة أُلقيت في ملعبه ليتحمل مسؤولية التفاوض على تشكيل وفد موسع للمعارضة أو الانفراد به.

قياساً إلى الأيام الأربعة الفاصلة بين الموعدين من المرجح أن يذهب الائتلاف غداً بمفرده إلى جنيف، وسيكون تمثيله للسوريين بمثابة معارضة الأمر الواقع، ولا يُستبعد أن يستخدم النظام ورقة غياب التنظيمات المعارضة الأخرى للتشكيك به، بخاصة مع غياب شخصيات وكتل يفضّل النظام محاورتها على محاورة الائتلاف. الأمر لا يتعلق بمدى استفادة النظام من عثرات ونواقص وفد المعارضة فمن المعلوم أن شعبية الائتلاف قد تآكلت إلى حد كبير في صفوف السوريين عامة، وسيكون تأييد البعض له في جنيف لعدم وجود خيار آخر ليس إلا، ولا يُستبعد أن تطل الخلافات الداخلية حول تشكيل الوفد لتُضعف من موقعه زيادةً عما هو حاصل حتى الآن.
ومع أن السوريين لا ينتظرون نتائج ملموسة سريعة من جنيف2 ككل إلا أن أداء الوفد المعارض، أياً كان، يُنظر إليه كفرصة سياسية ينبغي استثمارها جيداً لتقديم أطروحات مقنعة للخارج والداخل، فزمن الشعارات قد ولى ما لم تقترن ببرنامج سياسي واقعي، وأياً كان الوفد المعارض فهو مطالب بتقديم تصور يلاقي طموحات عموم السوريين وهواجسهم. المحك هنا ليس في الاعتراف الدولي بالمعارضة أسوة بالشرعية الدولية التي لم تُسحب بعد من النظام؛ المحك هو في قدرة المعارضة على تقديم بديل من أجل السوريين، فتسحب من النظام ادّعاءاته بتمثيل شريحة منهم. عندما تطالب المعارضة بانتقال السلطة فهي لم تعد طرفاً، بل ينبغي أن تقدّم خطاباً سياسياً تفصيلياً يفتح الآفاق أمام عملية ديمقراطية حقيقية بدءاً من المرحلة الانتقالية التي لا ينبغي اختزالها بمحاصصة أو تبادل للكراسي.
تقديم تصور محدد لسقف المطالب في جنيف هو أيضاً ما يضع أعضاء الائتلاف وقوى المعارضة الأخرى أمام مسؤولياتهم، ويخرج بالخلافات من المستوى الشخصي أو التنظيمي الضيق إلى مستوى الاتفاق أو الاختلاف السياسي. على سبيل المثال كان شرط تنحي الأسد من أهم الخلافات بين ما يُسمى معارضة معتدلة وأخرى راديكالية؛ اليوم هذا الشرط استهلك الزمن شطراً منه وستتكفل مدة المفاوضات باستهلاك الشطر الآخر، فالأسد باقٍ حتى انتهاء ولايته بصرف النظر عن مشروعيته أصلاً، بقي للمعارضة أن تتفق أو تختلف على مشاركته أو عدمها في المرحلة الانتقالية، والأمر ذاته ينطبق على كل من ساهم مباشرة في إراقة دماء المدنيين السوريين. وضع تصور محدد سيمنع أي جهة معارضة من استخدام الأهداف السياسية العامة كذريعة لخلافات سياسية أعمق، أو كغطاء لمطامع شخصية أو فئوية.
ثم ينبغي ألا تنسب المعارضة لنفسها أي فضل على الثورة، لأن الأخيرة اندلعت قبل إنشاء الأطر التنظيمية الحالية، ولم يُتح لأبنائها وشبابها بحريةٍ تشكيلُ الأطر التي تمثلهم، ولا ننسى أن قسماً معتبراً منهم هو الآن في معتقلات النظام أو متفرغ للعمل الميداني في المناطق المحاصرة. هذا يعني أن المعارضة حازت على تمثيل نسبة من السوريين بالوكالة، ويقتضي أن يُمثّل أولئك أنفسهم متى سمحت لهم الظروف بذلك، وأن تُمنح قضيتهم كمعتقلين أو ملاحقين أولوية قصوى في مراحل التفاوض الأولى. في كل الأحوال، ما دام الحديث عن عملية قد تطول، ينبغي أن يبقى وفد المعارضة قادراً على تعزيز صفوفه بمن يملكون التأثير على الأرض، فضلاً عن مراعاة وتمكين الفئات الأكثر تضرراً وتهميشاً.
لقد كان سهلاً، وفق تصور سابق مبسط، أن تتحفز المعارضة لاستلام السلطة بعد إسقاط النظام نهائياً. ذلك لم يعد ممكناً، ولم تسمح به الظروف الدولية والإقليمية منذ تفاهم جنيف1، وإذا كان من نية دولية للتغيير في سوريا فالمفاوضات لن تكون سوى تمضية لما تبقى من ولاية الأسد وتجهيزاً للبديل. سيكون من السذاجة أيضاً توقع أن تشكل المعارضة بغالبية وجوهها الحالية البديل المقنع، لذا عليها هي أن تبادر إلى اقتراح قواعد تمثيل أفضل، وأن تعلن انتهاء دورها الحالي بنهاية النظام؛ إن لم تكن هذه المعارضة مغتربة حقاً عن الواقع السوري فعليها أن تدرك أن أفضل ما تفعله في جنيف لا يتعدى التكفير عن أخطائها السابقة فحسب.
عمر قدور ـ المدن

التعليقات