بغداد 32°C
دمشق 26°C
الإثنين 21 سبتمبر 2020

أميركا هابطة أم صاعدة؟


كيري سيترأس الوفد الاميركي الى "جنيف-2"
ماذا يعني قبول الولايات المتحدة الانخراط في جهود دولية متعددة الأقطاب لحل الأزمة السورية وقبلها الأزمة النووية الإيرانية، وبعدها ربما الأزمة الفلسطينية، سوى أن هذه الدولة العظمى في حالة انحدار، وأن نظاماً عالمياً جديداً متعدد الأقطاب يولد الآن تحت أعيننا مباشرة، أو حتى أنه وّلد بالفعل؟
وماذا يعني أن تغض واشنطن الطرف عن عمليات “القضم” التي تقوم بها الصين بالتدريج في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وعن مخططات الاختراق الاستراتيجي التي تنفذها روسيا في مثلث الشرق الأوسط- آسيا الوسطى- القوقاز، سوى أن هذا الانحدار الأميركي يسير بوتائر تخطف الأنفاس؟
ثم: أي نفي للانحدار الأميركي يمكن أن تكون له صدقية ما، حين تتفق تقييمات كل أجهزة الاستخبارات الأميركية مجتمعة على أن “لحظة الزعامة الأميركية المنفردة في العالم انتهت”، فيما يتوقع العديد من المخططين الاستراتيجيين الأميركيين ولادة نظام عالمي جديد قريباً من رحم مؤسسات جديدة  مثل مجموعة العشرين، ومعاهدة شنغهاي، ومنظمة آسيان، ومجموعة البريكس، وغيرها من المؤسسات الدولية التي تنبت الآن كالفطر ؟
هذه الأحاديث الانحدارية كانت لا تني تتراكم طيلة السنتين الماضيتين، وتتغذى من كل خطوة تقوم بها إدارة أوباما يشتم منها رائحة انعزالية أو تقوقعية.
لكن، ثمة جديد طرأ خلال الأسابيع والأيام القليلة الماضية: بدلاً من الحديث عن الانحدار الأميركي النسبي والصعود المطلق لدول الأسواق الناشئة الجديدة (من الصين والهند وروسيا إلى البرازيل وتركيا وجنوب إفريقيا)، بدأ الكلام يتردد عن صعود أميركا وهبوط الآخرين.
نقرأ لألي راتنر (برنامج أمن آسيا- الباسيفيك) وتوماس رايت (مؤسسة بروكينغز):” على عكس كل التوقعات السابقة، أميركا الأن هي القوى الناشئة، فيما الصين والبرازيل والهند وتركيا، تشهد أزمات عنيفة تهدد كل مكاسبها السابقة. فالاقتصاد الأميركي يتعافى، وأميركا قد تصبح أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم العام 2015، فيما ثورة صناعة الطابعة الثلاثية (3-printing industry ) بدأت، جنباً إلى جنب مع الطاقة الرخيصة، تحيي مجد الصناعة الأميركية وتوقف تصدير ( outsourcing) الوظائف إلى الخارج”.
ونقرأ لديفيد أغناتيوس (واشنطن بوست، 23 كانون الثاني/يناير الحالي):” فيما تتعثر سياسات المنافسين الاقتصاديين الدوليين لأميركا، تنهض هذه الأخيرة وتحث الخطى على طريق الصعود”. وأخيراً، تتوج وول ستريت جورنال كل هذه الصيحات الاحتفالية بتساؤل يتضمن في ثناياه الإجابة: ” هل الولايات المتحدة هي السوق الناشيء الحار الجديد؟
ما الذي يجري؟ من على حق هنا: أنصار نظرية الانحدار، أم أنصار فكرة الصعود الأميركي الجديد؟ ولماذا هذا الشرخ الكبير والتناقض الحاد في توقعات كل منهم؟
لا هذا ولا ذاك. الأرجح أن تكون الحقيقة في منزلة بين منزلتين.
فأميركا لاتزال بالفعل، وستبقى لعقدين أو أكثر، أكبر اقتصاد متطور، وأقوى قوة عسكرية وتكنولوجية و”ناعمة”، في العالم. بيد أن هذا لاينفي واقع أن صعود قوى دولية جديدة إلى قمرة القيادة العالمية، أدى إلى نقل مركز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي الدولي من حوض الأطلسي إلى حوض الباسيفيك. وهذا ما يشي بتزعزع، أو حتى احتضار، النظام الليبرالي العالمي الذي أقامته الولايات المتحدة غداة الحرب العالمية الثانية والذي تمحور أساساً حول أوروبا، وبضرورة بناء نظام جديد مكانه.
لكن، أي نظام؟
هو أحد أمرين: إما قيام الولايات المتحدة بإعادة تصميم النظام الدولي الحالي وفق أسس تستوعب في داخله الصين وبقية السرب الناشئ بسلام وسلاسة، أو إقامة نظام عالمي أصغر يقتصر على أصدقاء أميركا وحلفائها.
في كلا الحالين، لن يكون لمفهومي الانحدار أو الصعود الأميركي أي معنى، لأن أميركا هي من سيحدد، وفق خياراتها الخاصة، طبيعة النظام الدولي الجديد ومصير العولمة في طبعتها الراهنة.
وإذا ما عنى هذا الأمر شيئاً، فإنه يعني أنه سيكون على العالم التأقلم مع أميركا، في خضم تأقلمها هي نفسها مع المتغيرات الدولية الجديدة، لا العكس!
سعد محيو ـ المدن

التعليقات