بغداد 12°C
دمشق 11°C
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020

“الممانعة” جريمة ضد الإنسانية


ممانعة
“القوقعة” التي كتبها السوري مصطفى خليفة، عن الرعب المطلق في السجون السورية، ليست رواية أو أدباً، تماماً كما آلاف صور المعتقلين المقتولين في أقبية النظام السوري، تجويعاً وخنقاً وتعذيباً، ليست صوراً. هذه الخمسة وخمسون ألف صورة التي توثق ما أنزله النظام السوري بأحد عشر الف سجين من سادية تفوق كل وصف، هي فقط مما استطاع تصويره ضابط منشق واحد. لا يمكن تخيل عدد الصور التي لم تلتقط، عدد الذين ذاقوا العذابات المروعة، عدد الإرتكابات الفظائعية وعدد الذين قتلوا. لا صور كافية على الإطلاق، ولا شهادات كافية لكتابة كل ما حدث ويحدث.
آلاف الصور ظهرت، في اللحظة التي يجلس فيها وفد النظام في جنيف ويتحدث عن “محاربة الإرهاب”، وفي الوقت التي تجري فيه وقائع محاكمة متهمين إرهابيين حلفاء للنظام، قاموا بتفجير نحو ثلاثة أطنان من المتفجرات من أجل اغتيال رجل واحد. ظهرت الصور التي صدمت العالم من غير أن تفضي تلك الصدمة إلى تحرك دولي نوعي بما يوازي حجم الجريمة وخطرها على صدقية المجتمع الدولي وأخلاقيته. العجز عن رد الفعل المناسب، هو على الأقل إخفاق بالغ الخطورة لمنظومة القيم، التي يفترض أنها استتبت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد عقيدة الشعور بالذنب تجاه عار “الهولوكوست”. الخذلان الدولي للشعب السوري، بعد جريمة استعمال السلاح الكيماوي، يتكرر اليوم على نحو يضاعف اليأس والتطرف، ويشجع النظام السوري على ارتكاب ما هو أسوأ مما فعل ويفعل يومياً.
نشاهد الصور غير مصدقين، تماماً كما كنا عندما قرأنا “القوقعة”، التي نستعين بها اليوم لنتخيل ما عاناه أولئك الضحايا قبل أن يصيروا جثثاً متحللة، ضئيلة، متيبسة في صور. نعود إلى “القوقعة” كشهادة عما حدث في الثمانينات من أعمال وحشية واسعة النطاق، شملت سوريا كلها، وتكثّفت في جحيم سجن تدمر الصحراوي، وظننا أن سعار القتل والتعذيب توقف حينها، أي بعد أن استتبت لحافظ الأسد “أبديته” مقابل تحويل الشعب السوري إلى مواطنين مسحوقين بالخوف والصمت. ظننا أن ذروة الجنون السادي قد بلغت حينها أوجها. إذ لا يمكن أن نعقل أو نتخيل أن بلداً تستمر الحياة فيه ويبقى فيه بشر مع استمرار هكذا مسلخ، لا يمكن أن تتخيله حتى أشد المخيلات المريضة انحرافاً وإجراماً.
الكابوس الذي يصنعه النظام في سوريا لا نجد مرجعيته في الكافكاوية، لا في متاهة “المحاكمة” ولا في غرائبية “المسخ”. الجريمة التي يرتكبها النظام السوري لا نجد مرجعيتها في أوشفيتز، كما نبهنا وسام سعادة: “في اوشفيتز قلما كان هناك “تعذيب” بالمعنى السوري للكلمة. في اوشفيتز كان هناك فرز بين معسكرات عمل (شاق، تسريعي للموت، مرتبط بالمنظومة الصناعية) ومعسكرات موت (للتخلص من غير القادرين على “التنعم” بمعسكرات العمل، أو للتسريع في الإبادة بشكل مباشر، كغرف الغاز). ليس هناك مثل هذا في سوريا”. وهذا يبدو صحيحاً على الرغم من أن أكوام الجثث في أوشفيتز تشبه صور المعذبين السوريين الموتى. على الأرجح، لا يسعى النظام السوري إلى إبادة شعبه حرفياً، ولا إلى تحويله لمعسكرات العمل المميتة. أغلب الظن إنه يطمح لتحويل الشعب السوري دون البشر، بل وحتى بلا رفق بالحيوانات، أقرب إلى حشرات يجري التلذذ بسحقها. تأليه رأس النظام وتأبيده لا يتمّان إلا بالتفوق على “منهجية” أوشفيتز نفسها، والوصول إلى العبثية التامة، المجانية المطلقة للقتل، والجنون الأقصى للتعذيب.
ما معنى دس فأر في رحم إمرأة وتركها تنزف حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام أعين ضباط “البعث” (أصحاب “الرسالة الخالدة”)، أو إجبار سجين على شرب سوائل بالوعة الصرف الصحي، أو التجويع حتى الموت، أو التلذذ بقتل 500 سجين كل يوم كمعدل وسطي في سجن واحد، والتمثيل بجثثهم، وتصويرهم، وترتيب صورهم وفق نظام معقد بحيث لا يتعرف على هوية الضحايا سوى أجهزة المخابرات التي قامت بقتلهم؟ بل ما معنى بتر الأعضاء التناسلية للطفل حمزة الخطيب في نيسان 2011، قبل قتله تحت التعذيب المروع؟
لا يمكن للنظام أن يستعمل السلاح الكيميائي ضد سكان ضواحي دمشق وغوطتها لو لم يصنّف الناس، مواطنيه بالذات، على أنهم حشرات يجب رشّهم بالمبيدات. لم ينزع عنهم إنسانيتهم وحسب، بل جعلهم دون البهائم. النظام يتقزز من وجود الشعب السوري. النظام لا يرى “وحشية” في ممارساته لأن الضحايا منزوع عنها أي صفة آدمية. وهو حين يفعل ذلك، لا يأبه أو لا ينتبه أن رجاله، جلاديه، يصيرون وحوشاً كاسرة ويتحولون إلى مجانين إجرام، فائقي السادية. أي أنه أيضاً ينزع عنهم هويتهم كبشر، ويفرغهم من إنسانيتهم. في حين أننا نكتشف في كل شهادات الذين نجوا (راجع ما كتبته خولة دنيا أعلاه) أنهم يميلون إلى التشبث ببعض اللحظات والأفعال “الإنسانية” التي أقدم عليها السجانون. يفعلون ذلك لا للتخفيف من جرمية السجان، بل لحماية أنفسهم من أن يتحولوا هم إلى يائسين متوحشين، وليحفظوا في دواخلهم القليل من الإيمان بالإنسانية، بجدوى الحياة.
ما يحدث اليوم في كل سوريا هو صراع بين سجين يريد أن يحتفظ بما تبقى له من آدمية، أن يسترد إنسانيته، وبين سجان لم يعد يستطيع البقاء في السلطة إن توقف عن القتل والوحشية. صراع الحياة أو الموت، صراع الحرية والعبودية. ولا غد لسوريا وللمشرق إن لم يكن قائماً على إنصاف الضحايا. تذكرهم ومنحهم العدالة هو الشرط الأخلاقي لوجودنا بلداناً وشعوباً. وأول الطريق نحو تلك العدالة هو وصم “الممانعة” على أنها جريمة ضد الإنسانية.

 

يوسف بزي ـ المستقبل


التعليقات

عاجل مقتل شخصين وإصابة 15 آخرين بحادثة دهس سيارة في ألمانيا