بغداد 27°C
دمشق 35°C
الخميس 1 أكتوبر 2020

خيارات السوريين في جنيف


السوريوون

عقد أخيراً مؤتمر “جنيف 2”. ولسوف يدخل هذا الحدث التاريخ إما باعتباره مؤتمر دايتون الذي جمع الفرقاء المتقاتلين في البوسنة والهرسك في قاعدة رايتبيترسن في الولايات المتحدة وأسفر عن توقيع اتفاق دايتون الشهير في باريس 1995، وإما أن يكون كمؤتمر جنيف اللبناني 1984 والذي لم ينتج عنه سوى استمرار القتال بين الطرفين. إما أن يكون المؤتمر الذي أنقذ سوريا من هستيريا النظام وجنون المجموعات الإسلامية الراديكالية وإما أن يكون محطة جديدة من الصراع بين الأسد والسوريين.

ولكن مجرد انعقاد المؤتمر هو انتصار للسوريين ولمستقبل سوريا. فمن جانب هو يحمل اعترافاً ضمنياً من الأسد ونظامه بالمعارضة كطرف مقابل له ومواز له في الأهمية، بعد أن كان يرفض الاعتراف بذلك. ومن جانب آخر يحمل المؤتمر آمالاً بإنهاء القتل في سوريا والتوصّل إلى انتقال سلمي وآمن للسلطة. ليس لدينا بالتأكيد أية أوهام في أن ذلك سيحدث غداً أو بعد غد. ولكن سيكون من المخزي للأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين أن يضعوا كل ثقلهم وراء عقد المؤتمر لكيلا ينتج عنه أي شيء.

وكان أداء كل من وزير الخارجية السوري وليد المعلم وفريقه وتصريحات وزير الإعلام عمران الزعبي ومندوب سوريا الدائم بشار الجعفري، في مصلحة السوريين، حيث أسفرت عن صفاقة وصلف أجوف يعبّر أكثر ما يعبّر عن قلق حقيقي لدى النظام السوري في أن الأرض تميد من تحته وأن البساط بدأ يسحب من تحت أقدامه. ولا معنى أبداً لأن يكرّر كل مسؤول سوري على حدة وعشرات المرات أن الحكومة السورية لن توافق على هيئة حكم انتقالية إن لم يكن يشعر النظام أن ذلك بات أمراً واقعاً لا محالة.
في المقابل كان أداء الفريق الذي يمثل السوريين معقولاً. وكانت كلمة رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا متوازنة ومكتوبة بشكل جيد، وارتكب أخطاءا أقل من المعتاد. بالمقابل كانت تصريحات أعضاء الوفد الإعلامية للصحافيين ووكالات الأنباء ومحطات التلفزة متّزنة وغير استفزازية، وتعبّر عن نضج في التعامل السياسي، سواء في إصرارها على مرجعية “جنيف 1” أو في التعامل الإيجابي مع المواقف الدولية المتغيرة.
هذا الأداء دفع بممثل النظام السوري إلى اتخاذ مواقف انفعالية منها التهديد بالانسحاب من المؤتمر والطلب من الموفد الدولي الأخضر الإبراهيمي الضغط على المعارضة للبدء بحوار جدّي. وتهرّب وزير الإعلام السوري عمران الزعبي من ملاحقة صحافي سوري كرّر سؤاله عمّن يحارب الإرهاب فعلاً ومن يقاتل “داعش” على الأرض، ولماذا لا يقصف النظام مقرّات “داعش”؟ كان واضحاً أن الزعبي لا يملك جواباً أو أنه يعرف أن الذين يقاتل “داعش” ليس النظام بل المعارضة نفسها.
ليست تشكيلة الوفد المعارض أفضل الممكن، فقد كان بالإمكان أن يكون الوفد أكثر تمثيلية وأن يضم مفاوضين على أساس الكفاءة وليس المحاصصة والولاء. ولكننا أمام حقيقة الآن: هذا الوفد هو الذي يمثل السوريين في مواجهة نظام فاشي دموي حاقد. ومن واجب كل السوريين المعارضين تقديم الدعم له سواء سياسياً أو معنوياً. ولا يعني ذلك طبعاً إعفاءه من الانتقاد حين يخطئ ولكن ألا يتحول النقد إلى تجريح وسحب للثقة في هذه الظروف الخاصة جداً.
هنالك تحول سياسي في السياسة الدولية تجاه نظام الأسد. ثمة تغير طفيف في الموقف الروسي، وثمة تقارير بأن الجانب الروسي تدخل لدى الوفد الحكومي كي يعلن قبوله بيان “جنيف 1″. في المقابل يصرّ الجانب الأمريكي على أن أهمية الهيئة الانتقالية للحكم وعلى ألا مستقبل لبشار الأسد ومساعديه المقربين الذين شاركوا في قتل السوريين وتعذيبهم وتدمير ممتلكاتهم في حكم البلاد. وكررت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ما قاله وزير الخارجية جون كيري، وقالت: أعتقد أن الرئيس الأسد ونوابه والأشخاص الذين ساعدوه في تنفيذ وحشيته ضد الشعب السوري لا يمكنهم أن يزعموا تمثيل الشعب السوري… لا يمكن إلقاء براميل متفجرة على أطفال، ولا يمكن استخدام أسلحة كيماوية ولايمكن النظر إلى تلك الصور من السجون السورية التي حصلت على أيدي نظام الأسد، والزعم أنهم يمثلون الشعب السوري، لايمكن ذلك بكل بساطة”.
ينبغي التأسيس على ذلك، من دون أن نراكم أوهاماً جديدة فالمجموعة الدولية خذلتنا مراراً، ولكن مقاربة حذرة لمواقفها الجديدة يمكن أن تكون مفيدة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الاستمرار في الجهد المبذور لطرد المقاتلين الإسلاميين المتطفلين على الثورة السورية، والإصرار على الوجه المدني الديمقراطي للثورة في مواجهة الوجه الفاشي الطائفي الدموي للنظام السوري ومن ورائه إيران وحلفائها في المنطقة.
وائل السواح ـ المدن

التعليقات