بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

للبرجوازية السورية الصامتة.. أغنية


دمار

يجلس المغني على كرسي، يداعب غيتاره وسط أثاث يغلب عليه اللون الأبيض، يتراقص أمامه لهيب شمعتين حمراوين، وفيما هو يدندن أغنية رومانسية، يقطع هذا المشهد المسالم رنين جوال يستخدم رنة “اشتقتلك والله سوريا” للدلالة على تواجد البطل- المغني خارج البلاد، يأتي صوت أنثوي عبر الهاتف قد يكون لزوجة أو أم ينعي “الولد” الذي استشهد، يعلن هذا النعي البداية الحقيقية لأغنية “راح البلد” للفنان السوري مهند مشلح، والتي أطلقها عبر قناته الشخصية على موقع “يوتيوب” مؤخراً.

الأغنية التي لحنها وكتب كلماتها مشلح نفسه، تولى توزيعها الموسيقي وإخراج فيديو كليبها سليم سموع، وحصدت حتى وقت كتابة هذه السطور نحو 13 ألف مشاهدة على يوتيوب، وهي الثانية التي يقارب فيها مشلح الأوضاع السورية بعد أغنية “اشتقتلك والله سوريا” التي أطلقها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، ولم تنل نجاحاً كبيراً، حيث حصدت في يوتيوب أكثر من 17 ألف مشاهدة بقليل.
مشهد البداية قد يكون بالغ الدلالة ويلخص الكثير: البلل الذي وصل إلى ذقن البطل هو ما دفعه إلى الانتقال من الغناء العابث إلى العبث الغنائي النادب على ضياع البلد، لم يدفعه أي شيء قبل ذلك إلى التحرك، إلى الكلام، إلى الاحتجاج، إلى مشاركة أبناء البلد مأساتهم المستمرة منذ سنوات ثلاث، وحتى ربما إلى مجرد الحزن والتضامن، فالبلد ضاع بعد أن ضاع الولد، ليس قبل ذلك أبداً.
يضع مشلح نفسه في موقع متمسك بالوسطية، فيغني “راح البلد.. راح الولد.. وراح الغالي.. بينك وبينو.. يا معارض ويا موالي”، لا ثورة في سوريا، ولا احتجاجات سلمية دفعها العنف المفرط إلى حمل السلاح، يتحمل “المعارض” المسؤولية عما يحصل بالقدر نفسه الذي يتحمله النظام، وعلى الرغم من أن الفيديو كليب يتضمن صوراً للدمار الهائل الذي حل بمدن وبلدات سورية متعددة، إلا أن الدمار هذا، الناتج عن صواريخ النظام وبراميله المتفجرة، هو هنا مسؤولية مشتركة بين طرفين، بين القاصف والمقصوف. بعد ذلك، يقدم مشلح الموعظة لطرفين متحاربين: “لك أنت سوري، وهو سوري، ودمنا غالي”، فيما تتنقل كاميرا المخرج بين غرفة البطل الوثيرة وبين متابعته يتنقل وسط مشاهد مفترضة لأبنية مدمرة حاملاُ بيده مظلته ومرتدياً وشاحاً أنيقاً، ثم تتواتر على الشاشة عناوين إخبارية لأحداث “مفصلية” في الشأن السوري.
 لكن اختيار الأحداث “المفصلية” هنا وطريقة عرضها بالغا الدلالة أيضاً: “تدمير المسجد الأموي في مدينة حلب”، “السلاح الكيميائي يستخدم في دمشق”، “معلولا تحترق”، “إصابة كنيسة أم الزنار في مدينة حمص”، “اختطاف رجال الدين المسيحي في حلب”، “مقتل العلامة البوطي في تفجير إرهابي بدمشق”، “بعد معلولا.. مسيحيو صيدنايا يلجؤون إلى الإيمان والصلاة”، فالأحداث التي اختار مخرج الكليب الإشارة إليها تقتصر على كليشيهات مجموعتين رئيسيتين، الأولى لرموز إسلامية سنية مدينية تقتصر على دمشق وحلب، والثانية لرموز مسيحية على امتداد الأرض السورية، وباستثناء الكيماوي الذي تم استخدامه دون أن نعرف هوية الفاعل يبدو وكأنه لا شيء في سورية يوازي هذه الرموز الدينية في الأهمية، لا على المستوى البشري ولا على المستوى العمراني أو التاريخي، لا حمزة الخطيب ولا غياث مطر، لا زملكا ولا الحولة ولا حلفايا ولا كفرنبل ولا بانياس، لا مئذنة المسجد العمري في درعا أو الجسر المعلق في دير الزور، ولا حتى أحياء المرجة وبستان القصر والسكري الحلبية المهمشة غير البعيدة عن المسجد الأموي، والتي تتعرض لقصف شبه يومي من طيران النظام، والجرح الحمصي المفتوح اقتصر على كنيسة “أم الزنار”.
تحيل أغنية مهند مشلح بشكل أو بآخر إلى أغنية أمل عرفة “دور ع حالي” التي قدمتها قبل نحو نصف سنة من الآن، فالرمادية هي نفسها تقريباً، والندب المغترب عن سورية جغرافياً ونفسياً هو ذاته، تشابه عام في المضمون واختلاف على المستويات البصرية والأدائية والغرافيكية والتلحينية وانتقاء الكلمات.
ملاذ الزعبي ـ المدن

التعليقات