بغداد 33°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

زيارة أوباما السعودية فرصة للمصارحة والاطلاع


اوباما

يوجد عزم مشترك بين القيادة الأميركية والقيادة السعودية على إنقاذ العلاقة الثنائية بين البلدين من الانحدار إلى مرتبة أدنى مما كانت عليه هذه العلاقة تاريخياً. زيارة الرئيس باراك أوباما المملكة العربية السعودية في الجزء الثاني من شهر آذار (مارس) المقبل دليل على استدراك واشنطن والرياض، وإقرارهما بضرورة إصلاح ما طرأ على علاقاتهما من عطب وتوتر وتراجع. هذه فرصة مهمة للمصارحة والاطلاع على ما في ذهن الآخر. أركان إدارة أوباما في حاجة ماسة لفهم ما يجول في ذهن القيادة السعودية وللاستفسار عما أدّى إلى كسر تقليد الصمت وإلى الإقلاع عن الاكتفاء بالقنوات الخلفية للتعبير عن الامتعاض من السياسة الأميركية نحو إيران وسورية والعراق ومصر ولبنان والمسألة الفلسطينية. أركان القيادة السعودية في حاجة إلى الاطلاع على المعطيات الأميركية المحلية والاستراتيجية التي أدت بإدارة أوباما إلى عقد مفاوضات سرية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإلى الامتناع عن لعب دور قيادي في سورية تاركة الساحة مشرّعة الأبواب للإملاءات الروسية والصينية والإيرانية الموالية للنظام في دمشق. التحضير لهذه الزيارة ضروري أكثر من أية زيارة سابقة لما لها من أهمية ثنائية وإفرازات على الملفات الإقليمية والعلاقات الدولية. ونقطة الانطلاق هي الاعتراف بأن عطباً أصاب العلاقة الأميركية – السعودية لن يفيد إصلاحه التظاهر بأن الاهتزاز كان عابراً، أو أن الزيارة بحد ذاتها ستعيد الأمور إلى ما كانت عليه. فتلك كانت جلطة جدية تتطلب تشخيصاً واقعياً كما تتطلب الاستعداد للتأقلم مع وقائع جديدة.

بين أبرز ما يجب على الطرفين تجنبه هو تحويل زيارة أوباما إلى مناسبة لتسويق الأسلحة الأميركية. وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل كاد يبدو أثناء «حوار المنامة» في كانون الأول (ديسمبر) الماضي وكأنه بائع سلاح حين تكلم بلغة التسليح لنفي انطباع تحوّل الولايات المتحدة بعيداً من الشرق الأوسط والخليج في اتجاه آسيا.

وزير الخارجية الأميركي جون كيري اتخذ منهجاً مختلفاً أطلقه في دافوس أثناء انعقاد «المنتدى الاقتصادي العالمي» قبل أسبوعين وأكمل به إلى مؤتمر ميونخ للأمن الدولي. فحوى رسالته أن للولايات المتحدة تحالفات أساسية ومصالح حيوية مع دول الخليج وأنها ليست في وارد الهرولة شرقاً. أوضح آفاق ومعايير العلاقة المرجوة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تحدث بلغة الطمأنة الجدية وليس بلغة مجرد الإرضاء وهذا تماماً ما تريد الرياض أن تسمعه من الرئيس الأميركي عندما يزورها، إنما بتفاصيل أكثر.

ليس سراً أن الرئيس باراك أوباما لم يعد شخصية محبوبة في المنطقة العربية ككل، وليس فقط في المملكة العربية السعودية. السبب الرئيس هو سياسته تجاه سورية التي ساهمت في تدهور الوضع هناك إلى مأساة إنسانية وكارثة للبلاد – أقله من وجه النظر العربية.

باراك أوباما لعام 2009 ليس الرجل نفسه لعام 2014 في عيون الذين تلهفوا إليه واحتفوا به واعتبروه عنوان التمكين والعدل والعزم على التغيير. عام 2009 توقف الرئيس أوباما في الرياض في طريقه إلى إلقاء ذلك الخطاب الشهير في القاهرة – خطاب الصفحة الجديدة في السياسة الأميركية نحو العالم الإسلامي والعربي.

حاول وأُفشِلَ في معالجة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. ذاق طعم السياسة الواقعية. أدرك أن حتى لأمثاله حدوداً وتكبيلاً على أيدي السياسة المخضرمة. بدا كأنه إما ضعيف أو ساذج فيما كان في ذهنه أن يكون قائداً وصانعاً للتاريخ عبر الجرأة على الإقدام. هكذا أُحبط الرئيس أوباما في مطلع عهده، فتراجع عن الإقدام، ولاقى اللوم والدهشة.

مطلع الربيع العربي تردد الرئيس الفتي ثم تبنى موقفاً نحو مصر فحواه التخلي عن الحليف لأميركا الرئيس السابق حسني مبارك، ودعم صعود «الإخوان المسلمين» إلى السلطة. من وجهة نظر الإدارة الأميركية، كان ذلك الموقف تماشياً مع الرغبة الشعبية وثورة الشباب. من وجهة نظر الشباب، كان ذلك الموقف الأميركي مدهشاً لأن «الإخوان المسلمين» صادروا الثورة، وأخذوا إلى إقصاء الآخرين، وابتلعوا الرئاسة والبرلمان وكادوا يبتلعون الدستور – كل ذلك بمباركة أميركية. سذاجة كانت تلك المباركة أو سياسة مدروسة، فإن نتيجتها أن الرئيس الأميركي خسر جمهوراً كان يعشقه وبات في نظره موضع تشكيك. انهارت هالة أوباما وبات يُعتَبر سياسياً أميركياً ذا أهداف غير مُقنِعة بل مُسيئة. فانهالت التساؤلات عما في ذهن الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما ليس نحو مصر فحسب، وإنما نحو المنطقة العربية برمتها.

القيادة السعودية اختلفت مع القيادة الأميركية في المسألة المصرية منذ اقتلاع حسني مبارك من السلطة. هذه المرة، لم تأخذ الرياض إلى مجرد الغضب والامتعاض. اتخذت قراراً استراتيجياً بألا تترك مصر في مهب الريح في انتظار ما ستؤول إليه السياسة الأميركية. استثمرت مادياً وسياسياً في مصر وجعلت من استثماراتها سوياً مع دولة الإمارات العربية والكويت ركناً مهماً في سياستها الإقليمية. قطر استمرت في دعم «الإخوان المسلمين» في مصر. أما الولايات المتحدة، فإنها تأرجحت في سياساتها نحو هذه الدولة الرئيسة لكامل المنطقة العربية.

مصر، إذاً، لا بد من أن تكون على جدول محادثات الرئيس باراك أوباما مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. مصر فائقة الأهمية في السياسة الاستراتيجية السعودية والأميركية على السواء. لذلك، من المفيد لإدارة أوباما أن تستمع جيداً إلى خلفية الاستراتيجية السعودية وأهدافها نحو مصر. من المهم لها أن تنظر إلى تلك العلاقة من زاوية موازين القوى في الشرق الأوسط. فالعلاقة السعودية – المصرية أساسية لوجود عربي في موازين القوى الإيرانية/ التركية/ الإسرائيلية/ العربية في الشرق الأوسط.

الرئيس أوباما يريد أن يتم تحقيق اختراق في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي كي يختتم رئاسته بما استثمر فيه عند بدايتها. المملكة العربية السعودية مهمة جداً في هذا الطموح. ولعل أحد أسباب اتخاذ قرار زيارته الرياض هو المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية.

فإدارة أوباما أدركت أن الاستفراد بالطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لإجبارهما على التوصل إلى اتفاقية سلام – كما فعل الرئيس السابق بيل كلينتون – لن يجدي. اتخذت قراراً حكيماً قوامه الاستنجاد بالقوى العربية الفاعلة – بالذات المملكة العربية السعودية – لتساعد في تحقيق الاختراق المرجو من خلال وضع وزنها وراء الجهود الأميركية.

الرياض أبدت جاهزيتها، لا سيما أن أحد ركائز الجهود الأميركية هو المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل. الديبلوماسية السعودية تضع ثقلها وراء إحياء المبادرة العربية وتوضح معالم تلك المبادرة لإقناع إسرائيل بجدية التعهدات الواردة فيها لجهة التطبيع التام مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية – كما نصت القمة العربية في بيروت والتي اعتمدت المبادرة العربية رسمياً.

الرئيس أوباما يدرك أهمية القيادة السعودية في تنفيذ تعهد 22 دولة عربية و57 دولة إسلامية للتطبيع مع إسرائيل في حال التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. وهو لا بد سيضع هذه المسألة في طليعة جدول أعماله في الرياض لأنها مهمة له شخصياً وفي إطار سيرته التاريخية.

العراق سيكون موضع نقاش، وربما اختلاف. تريد واشنطن أن توضح للرياض أن لا مجال لأي تدخل أميركي عسكري في العراق، مهما آلت إليه الأمور. تريدها أن تقبل أن وقوع العراق في القبضة الإيرانية لا يزعج واشنطن لدرجة القيام بعمل استثنائي كتغيير المعادلة.

الحديث الأميركي – السعودي حول العراق يتطلب تفكيراً عميقاً، لا سيما على ضوء احتمال وقوع العراق مجدداً بين مخالب الحرب المذهبية وفي أحضان الإرهاب وعلى حافة التقسيم. لكل من الدولتين دور في الحؤول دون انهيار العراق. والمهم في حديثهما هو كيفية التطرق إلى النفوذ الإيراني القاطع في العراق كما إلى كيفية إخراج العراق من معادلة الحرب السنّية – الشيعية عبر قرار سعودي – إيراني نوعي جديد في رعاية أميركية.

أهم ما يمكن الرئيس باراك أوباما إنجازه إذا شاء، هو رعايته تفاهمات سعودية – إيرانيه تقمع، أو تساهم في خلاص منطقة الشرق الأوسط من أتون حرب مذهبية تمتد من العراق إلى سورية إلى لبنان وما بعد.

هذا هو التحدي الأكبر والأوسع والأعمق للرئيس الأميركي إذا شاء أن ينقلب على سمعته في الشرق الأوسط، وأن يصوغ سيرة تاريخية لنفسه، وأن يغادر منصبه متأبطاً إنجازاً خارقاً للعادة.

نقطة الانطلاق تكمن في العلاقة الأميركية – الإيرانية وفي العلاقة الأميركية – السعودية. الرئيس أوباما في صدد صوغ علاقة أميركية – إيرانية تاريخية وفي حوزته أدوات للتأثير في طهران. ما يحتاجه هو اعتماد سياسة شاملة وحازمة وجاهزة للإقدام بدلاً من سياسة تقطير مترددة قابعة في ظل الرد.

سورية محطة رئيسة في أية مساع أميركية لتفاهمات سعودية – إيرانية. وهذا يتطلب انخراطاً أميركياً من نوع جديد يربط بين الاستعداد لقلب الصفحة مع إيران ليس نتيجة معالجة المسألة النووية حصراً، إنما على أساس معالجة أوسع للطموحات الإيرانية الإقليمية. وهنا أيضاً، لدى الولايات المتحدة أدوات جاهزة للاستخدام أبرزها نوعية رفع العقوبات على إيران مقابل تغيير جذري في سياساتها الخارجية بالذات نحو سورية ولبنان.

المملكة العربية السعودية تقول إنها لا تسعى إلى تحقيق الانتصار على إيران في سورية، لكنها لن ترضخ لانتصار وفوز إيرانيين بسورية. هذا مدخل للرئيس باراك أوباما للحصول على موافقة سعودية على تفاهم مع إيران في إطار تسوية في الشأن السوري أو في إطار التسوية الكبرى التي تضم تفاهمات دولية تشمل روسيا.

تهيئة الأرضية لاختراق مصيري أثناء زيارة الرئيس أوباما المملكة العربية السعودية ضرورية للغاية، لا سيما أن الزيارة تأتي على مفترق الروزنامة النووية الإيرانية، والكيماوية السورية، والسياسية الدولية في الشأن السوري في مفاوضات «جنيف – 2»، والانتخابات الرئاسية السورية، وإجراءات التصدي لنمو الجهاديين الجدد داخل سورية وخارجها.

المهم للعلاقة الأميركية – السعودية هو المصارحة. المهم هو اعتراف الطرفين بفشل كل منهما في سورية لأسباب مختلفة تماماً. المهم أن يأخذ الطرفان إلى رسم سياسات واقعية وعملية للمساهمة في رسم مستقبل سورية بدلاً من تركه رهينة الرعاية الروسية – الإيرانية. المهم أن تقر القيادتان في واشنطن والرياض أن إصلاحاً جذرياً بات ضرورياً لعلاقاتهما الثنائية ولسياساتهما الإقليمية بدءاً من علاقات كل منهما بإيران «الحرس الثوري» وبإيران الاعتدال.

 

راغدة درغام ـ الحياة


التعليقات