بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

الخريطة اللبنانية بعيون سوريّة… تحذير “ابتعد عن الضاحية الجنوبية”


hezbo allah

رامز أنطاكي

“اسمك بحد ذاته سيارة مفخخة” هذا ما قاله شبان عراقيون للسوري “معاوية” عندما أراد السفر إلى بغداد، أدرك معاوية حينها أن اسمه بالفعل قد يسبب له أضراراً في بغداد تتراوح بين الخطف والقتل.. فاتجه إلى لبنان، وفي لبنان أدرك معاوية أن هناك مناطق تعتبر اسمه سيارة مفخخة أيضاً، حيث أوقفه أحد حواجز حزب الله داخل الضاحية الجنوبية ووجهوا إليه أسئلة هو ذاته لا يمكنه الإجابة عنها لكثرة التفاصيل الحاذقة اللتي تتضمنها، وما إن أعادوا إليه هويته حتى طلبوا منه عدم الاقتراب من الضاحية مرة أخرى… “معاوية وجاي عالضاحية هه”.

أعداد هائلة من السوريين باتوا موجودين اليوم على الأراضي اللبنانية، لاجئين إليها هرباً من الموت المجاني، وتتجاوز تقديرات شبه رسمية لعدد السوريين المقيمين في لبنان عتبة المليون سوري، لتصل وفق تقديراتٍ أخرى حد المليون ونصف، منهم المسجل في الأمم المتحدة، ومنهم من ينتظر دوره للتسجيل، وآخرون لم يتقدموا أصلاً بطلب تسجيل، ويتوزع هؤلاء السوريون على كامل رقعة الأراضي اللبنانية دون أي إستثناء، من العريضة شمالأ إلى الناقورة جنوباً، ومن البحر المتوسط غرباً إلى الحدود اللبنانية السورية شرقاً، فسكنوا بالتالي في المناطق المقسمة على الطريقة اللبنانية، فهنا منطقة درزية، وهناك منطقة سنية، وإلى جوارها منطقة مسيحية فشيعية.

بالإضافة إلى الأسباب المتعلقة باحتياجات السوريين، والتي تسهم في تحديد خيارات المناطق السكنية المناسبة لهم، كتوفر فرص العمل أو اعتدال الطقس أو القرب من الحدود السورية، هناك العامل الطائفي الذي لعب دوراً مهماً، فقد كاد من التقيناهم يجمعون رغم تنوع آرائهم السياسية وإنتماءاتهم الدينية، على تفضيلهم تجنب المناطق الشيعية لأسباب عدة، منها ما يتعلق بمخاوف طائفية بحتة صارت أكثر جدية نظراً لما يحدث في سورية، ومنها ما يتعلق بتضاد في الرأي السياسي يجعل صاحبه يفضل مناطق قد تتقبل توجهه دون مشكلة…

أفضلية للمناطق ذات الأكثرية المسيحية

تقول ليليان وهي شابة جامعية من حلب حول سبب اختيار عائلتها الاستقرار في منطقة جونيه: “كان هناك العديد من أصدقاء عائلتنا الذين سبقونا إلى إلى جونيه، صحيح أن الحياة هنا أغلى من مناطق لبنانية أخرى لجهة بدل السكن والخدمات الأخرى، إلا أنه مناسب لنا أكثر، فأنا لا أكاد أشعر بالغربة لتكوّن مجتمع حلبي صغير هنا، هو في جزء كبير منه ذات مجتمعي الحلبي في حلب سابقاً”، ترفض ليليان السكن في الضاحية الجنوبية لبيروت رغم علمها أنها لن تلاقي هناك عموماً إلا آراء سياسية متوافقة مع رأيها، بعكس منطقة جونيه في كسروان حيث الآراء أكثر تعددية، “السكن هناك أرخص بوضوح ، لكنه مجتمع ذو عادات مختلفة، عدا أنني أفضل البقاء في منطقة مسيحية كالتي أسكن فيها الآن لتجنب التفجيرات المتبادلة مؤخراً بين الشيعة والسنة في أرجاء البلد”.

بات العامل الأمني الناتج عن سلسلة التفجيرات الأخيرة، عاملاً وازناً إلى جانب العامل الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، في تحديد خيارات المواطن السوري في السكن… يقول شاكر الآتي من إحدى قرى ريف حمص في هذا السياق: “سكنت أول قدومي إلى لبنان في منطقة طريق الجديدة البيروتية، لم أواجه مشاكل بسبب آرائي السياسية المعارضة ولا بسبب نشاطي المعروف نوعاً ما ضد النظام السوري، فسكان المنطقة الذين ينتمون بغالبيتهم إلى الطائفة السنية كانوا يملكون آراء تشابه آرائي.. لاحقاً ومع تحسن عملي ومدخولي المادي فضلت الإنتقال إلى منطقة اهدأ على أطراف الأشرفية في القسم الشرقي من بيروت، وبهذا كنت قد حميت نفسي دون أن أدري من موجة التفجيرات التي بدأت عقب إنتقالي من طريق الجديدة، فالخيار الأسلم للهرب من التفجيرات هو تجنب المناطق الشيعية والسنية”.

يمكن الإستنتاج من خلال معايشة السوريين في لبنان أنهم يفضلون عموماً السكن في المناطق المسيحية التي تمتاز بإنفتاحها الإجتماعي وتقبلها لتعددية الرأي السياسي في الكثير من الحالات، لكن على حساب إرتفاع كلفة السكن والمعيشة فيها إرتفاعاً لا يستهان به.

المناطق الدرزية أيضاً مرغوبة من قبل السوريين إلا أن موقعها الجغرافي غير المناسب للبعض يجعل منها خياراً ثانياً بعد المناطق المسيحية، ومن لا تسمح له ظروفه المادية أو تلك المتعلقة بموقع عمله بالسكن في إحدى هذه المناطق الأخيرة يتوجه إلى المناطق السنية والشيعية معتمداً للمفاضلة بينها على إنتماءه الطائفي وتوجهه السياسي بالدرجة الأولى، فمع إزدياد الاحتقان السياسي والأمني الذي تسارع تصاعده عقب المشاركة العسكرية لحزب الله في الداخل السوري والذي كانت إحدى أهم مراحلها معركة القصير، بات وجود السوري السني في منطقة شيعية، ولو كان هذا الوجود مجرد مرور لا سكن، وخاصة إن اقترن برأي سياسي معارض للنظام، سبب كافياً للتعرض إلى الإذلال المعنوي وأحياناً إلى الإيذاء الجسدي على يد حواجز حزب الله وحركة أمل التي انتشرت في مرحلة سابقة بشكل كثيف ضمن المناطق الشيعية وعلى مداخلها، بل إن ورود اسم مدينة كالقصير أو يبرود أو داريا في خانة مكان الولادة على بطاقة الهوية الشخصية، كان في مرات متعددة سبباً لتعرض حامل البطاقة للتنكيل والإضطهاد العلني ثم للتحقيق المطول من قبل عناصر حزب الله.

حوادث خطف..

لا بد من الإشارة هنا إلى ملاحظة وردت في شهادتين لناشطين رفضا الكشف عن هويتهما، خاض كل منهما على حدة خبرة “الخطف” والتحقيق لدى حزب الله وحركة أمل، مفاد هذه الملاحظة أن عناصر الحزب والحركة يبدون حرصاً ظاهراً على تجنب العنف غير المبرر برأيهم، إلا أنهم لا يوفرونه حين يلزمهم، كما يظهرون أمانة واضحة تجاه ما يحمله “المخطوف” من أموال ومتعلقات شخصية ثمينة. بغض النظر عن النوايا الحقيقية لهم، وعن مشاركتهم العسكرية الأكيدة في سورية… يبدو واضحاً أن لدى هؤلاء العناصر داخل لبنان تعليمات واضحة وصارمة، بهذا القدر أو ذاك، تأمر بتجنب العنف المجاني والمنفلت، الذي ميّز ويميّز عناصر أجهزة الأمن السورية في تعاملهم مع مواطنيهم.

يقول أحد هؤلاء الناشطين: “بعد التحقيق معي الذي تضمن اسئلة تفصيلية تشمل كل مناحي حياتي: عائلتي، عملي، مدخلي المادي، محتويات حقيبتي ومحفظتي… أخذوا محضر التحقيق إلى غرفة ثانية، ثم عاد المحقق ليقول أنني لست مطلوباً، لا في لبنان ولا في سورية، لم أصدق شخصياً الجزء السوري مما قاله، ولذا فأنا أعتقد أنه من غير العملي أن يطلب النظام السوري من عملاءه في لبنان اعتقال كل معارض سوري مقيم في لبنان، لكن من الممكن أن تكون هناك لائحة مشتركة بين النظام وعملاءه اللبنانيين، تضم أسماء مجموعة معارضة قد تعتبر بالنسبة لهم أخطر من غيرها، كمثل هؤلاء الذين يملكون علاقات في المناطق الحدودية اللبنانية السورية وارتبط اسمهم بأمور تخص الجيش الحر والعمل المسلح… وأنا لست من هؤلاء”.

السوريون الذي أتوا إلى لبنان هرباً من جحيم الأسد، لم يتوقعوا بغالبهم أن يجدوا أنفسهم قيد التحقيق لدى حركة ميليشياوية في لبنان، مكبلي الأيدي، معصوبي الأعين… مع الوقت وفي ظل التطورات السياسية والأمنية في لبنان بات من الضروري أن يصبح شعار اللاجىء السوري في لبنان، خاصة إن كان معارضاً: الحذر واجب.


التعليقات