بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

عن الوفد المفاوض.. جمهور وممثلون ومسرح.. كوميديا جنيف2 قبل جولته الثانية


ousoud soria

ليلى زين الدين

 

“ليس مهماً الوصول لنتائج المهم المشاركة في هذا العرس الوطني الكبير”، جملة ساخرة يستحضرها السوريون في متابعتهم لجنيف2 مع اقتراب جولته الثانية… جملة من تقاليد الإعلام الرسمي الذي كرر مثل هذه الجمل الرنانة على مسامعهم لمدة أربعين عاماً فقط .. جملة تواكب أية مشاركة سوريية في فعالية دولية من السياسة إلى الرياضة والصحة أحياناً.

يتسمرون أمام شاشات التفلزيون ليس لأنهم يتوقعون حصول اختراقات لها معنى، بل ليشاهدوا فصلاً جديداً في “المسرحية الهزليه” التي تجاوزت كل التوقعات هذه المرة، من خلال (كاست) يجمع كل المتناقضات في الأداء والانفعالات المحسوبة والمرتجله .

قائد الأوركسترا وبطلها وزير خارجية النظام وليد المعلم “المعلك .. كما يسميه السوريون”، الذي بالكاد يلتقط أنفاسه “كمصارع في الجولة الأخيره”، أبى أن يفتتح المؤتمر بحضور كبار الدبلوماسيين في العالم والمحسوب بالثانية، دون “إذهال” للمجتمعين وأيضاً للمراقبين، خارجاً عن كل الأعراف والبروتوكولات الدولية متجاوزاً الوقت المحدد لكلمته بتسجيله رقماً قياسياً بلغ 37 دقيقة، دون اكتراثه بجرس انتهاء الوقت الذي يقرع فوق رأسه أكثر من عشرة مرات، فهو المعلم “سليل نظام الممانعة”.

ولم يعجز الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقط عن إسكات المعلم، وإنما أيضاً عن مقاومة ضحكات مستشارة الأسد الإعلامية لونا الشبل، التي خطفت الأضواء بنظرات الغنج وتوزيع الابتسامات، لتظهر في خلفية مشهد عراك المعلم مع الأمين العام للأمم المتحدة وكأنها في مشهد سينمائي راقص وليس بقاعة مؤتمر.

لم يكن خافياً الامتعاض والتململ على وجوه المؤتمرين باستثناء وفد النظام، فعدم الالتزام بالوقت، كان يمكن أن يكون مستساغاً لو أن “مصارع الساموراي” أحرز أي نقطة جديدة، إلا أن كلامه جاء مترهلاً ومستهلكاً، يمكن لأي طفلٍ يتابع الإعلام الرسمي أن يعيده بارتجال دون أوراقٍ محضرة مسبقاً.

وأخيراً وعد بأن ينهي ما بقي من خطابه في دقيقةٍ واحدة، واستبشر بان كي مون المذهول خيراً، وبلغةٍ خطابية فارغة من أي معنى يؤكد قائد الأوركسترا كاذباً (عينك عينك) أن سوريا دائماً تفي بوعودها، وينهى كلمته بعد مرور خمس دقائق جديدة.

الجعفري

كل عضو في الوفد كان وليد المعلم، الكلام لرأس الوفد المفاوض وليد المعلم نفسه، الذي أثنى على أداء الجوقة المرافقة له.

وفعلاً صدق الرجل، فعلى خطاه سار المندوب الدائم لسوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري، عبر ممارسة “التشبيح بالوقت”، فخلال الوقت المخصص للمؤتمر الصحفي المتسلسل لكل من بان كي مون وجون كيري وبشار الجعفري وأحمد الجربا،  تخطى الجعفري كامل الوقت المخصص له، و”هبش” من الوقت المخصص لرئيس وفد الإئتلاف أحمد الجربا.

لم يكن “تشبيح الوقت” هو فقط ما ميز وفد النظام، إنما أيضاً “تشبيح المضمون”، فتارةً يرفض الجعفري بدهائه الخارق الإجابة عن سؤالٍ بحجة أنه ملغوم، لأنه دمج بين القضاء على الإرهاب وتشكيل الهيئة الانتقالية، في الوقت الذي ردد جميع أعضاء الجوقة لازمةً ثابتة، أن لا رحيل أو تنحي للأسد، لا بل ذهب هو أبعد من ذلك بنفي وجود أي فقرة في بنود جينيف1 تنص على رحيل الأسد أو تغيير حكمه.

وتارةً أخرى ذهب الجعفري المتمرس في التعامل مع الإعلام لاستنطاق مراسل تلفزيون بلومبرغ نيوز، لجعله يقول بأن بشار الأسد هو الآن رئيس سوريا، في تفصيلٍ يعبر عن حجم الهوس بـ “تمسيح الجوخ للقيادة” لدى أتباع النظام.

المقداد

الألفاظ الصادمة، لم تكن حكراً على الجعفري، فمعاون وزير الخارجية فيصل المقداد يصاب بحالةٍ هستيرية، بمجرد توجيه سؤالٍ له من تلفزيون أورينت، رافضاً الإجابة وبدأ بالسب والشتم متهماً القناة بـ”السفالة والانحطاط والفجور”، حيث تحول فجأةً لداعيةٍ ديني، يوزع شهادات الفجور والطهارة، وتدخلت عناصر مؤازرة له من قناة الدنيا المتمثلة في هناء الصالح، ووكالة سانا، وانتهى الأمر بتدخل الشرطة السويسرية.

وفي إحدى حدائق جنيف يظهر المقدادعبر شاشة كاميرا منزلية، مع إذاعة شام إف إم، ويتحدث عن تآمر والدة الطبيب عباس خان الذي قضى تحت التعذيب في سجون الأسد، بتأكيده أنها تعلم بأن ابنها انتحر، لأنه “إرهابي ولا يحب الحياة”، وبأنه “لو لم ينتحر كان سيفرج عنه”… “إرهابي وسيفرج عنه؟؟”.

وكرر المقداد أيضاً اللازمة الأساسية التي رددتها الجوقة كاملة، وهي أن تنحي الأسد حلم.

لونا

ومع الكاميرا المنزلية ذاتها، تظهر هذه المرة رئيسة المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية لونا الشبل في أحد ممرات مكان انعقاد المؤتمر، تنكر على وفد الإئتلاف معارضته، حيث تكرر أنه الوفد المسمى بالمعارضة، وتبدو جملة متلازمة لكل حواراتها التي أجرتها خلال جنيف، لا ندري ماذا تفعل في جنيف إذا كانت لا تعترف بوجود طرف آخر محاور لها، لكن القنبلة التي فجرتها الشبل، تمثلت في إنكار معرفتها بريما فليحان عضو وفد الإئتلاف، وظهر الموقف وكأنه “كيد نساء فارغ” فقط لا غير، يعبر عن عقدةٍ نفسية كامنة لدى لونا الشبل، عبر إنكار معرفتها بابنة محافظتها والجالسة في مواجهتها في المؤتمر.

“وجهل أو غباء” لونا الشبل على وجه الخصوص لا حدود له، فهي لا تعرف “روبرت فورد”، السفير الأمريكي في سوريا، وتسأل “مين ربورت فورد؟”، ربما اعتقدت الشبل المقربة من رأس النظام بشار الأسد أنها تمارس ذكاءً خاصاً عبر إنكارها لشخصياتٍ مفاوضة أو راعية للمؤتمر، لكنها لم تدرك أنها ظهرت بموقفٍ شديد السذاجة.

الزعبي

المشهد الأكثر إثارةً من متابعة “توم وجيري” تمثل في هروب وزير إعلام النظام، من سؤال راديو الكل، كان يهرب في ممرات مقر المؤتمر، صامتاً لم ينطق بأي كلمة، يسرع الخطى، ربما كان يريد الوصول إلى أقرب “مخرج نجاة”، والصحفي يعيد السؤال ويكرر مرة واثنتين وثلاثة، لكن الزعبي يجاهد بالوصول إلى مكانٍ يختفي معه صوت الصحفي، ترى ما هو السؤال الذي أخرس وزير إعلام النظام؟، إنه عن “داعش” “لماذا لا تقصفون مقرات داعش في الرقة؟”، “من يقاتل داعش يا سيادة الوزير؟”، من يقاتل داعش يا سيادة الوزير، يكررها الصحفي ولا من مجيب.

شعبان

وأخيراً وصلنا للعتيقة في الدبلوماسية السورية، المستشارة الإعلامية بثينة شعبان، والتي ترفض حتى الحديث عن تنحي الأسد، وليس غريباً عليها أن تقول بأن “الإرهابيين” هم الذين يقتلون السجناء تحت التعذيب، فهي التي سبق لها واعتبرت أن شهداء الغوطة بالكيماوي هم أطفال من اللاذقية، ورفضت شعبان تأكيد خبراء في الأدلة الجنائية لصحة الصور قائلة: “هذه ببساطة كذبة كبيرة.. عليكم الانتظار لثلاثة أو أربعة أشهر وستعرفون القصة الحقيقية”، ويبدو أنها المدة الكافية لتأليف حكاية جديدة.

ومع سكاي نيوز أيضاً كررت المذيعة سؤالها أكثر من مرة حول ماذا يفعل النظام في السجناء، لكن شعبان مرةً لم تسمع السؤال، وبعد تكراره، تجيب شعبان نحاول أن نوقف الإرهاب والفكر الوهابي، ولا أحد سوى شعبان والنظام يمكن أن يستوعب آلية الربط بين السؤال والجواب.

وإذا امتنعت شعبان عن الظهور في القنوات المعارضة، لا سيما أورينت منها، قائلةً ” لا لا ما بطلع عالأورينت أنا بقرر وين بطلع، مو حابة”، فإنها لم تستطع التهرب من صحيفة اللوموند، وفي خروجٍ عن هدوء الدبلوماسية المتعارف عليه، تصرفت شعبان بانفعالٍ شديد، حيث قررت وضع حد للمقابلة في وقت كان أقل من الوقت المقرر، بسبب الأسئلة المحرجة.

وإلى الإعلام الرسمي، حيث كان عبارة عن جوقة تمرنت على “التشبيح”، الذي أثنى عليه وليد المعلم، مشيراً إلى التناغم بين أداء الإعلام الرسمي وأداء الوفد المفاوض، ولا يعلم أن ما قاله فيه الذم وليس المديح لإعلامٍ يفترض أن يكون صوت الناس وليس صوت النظام، والحق يقال صدق المعلم، “فتشبيح” الـ 50 عنصراً من الإعلام المرافق للوفد فاق كل التوقعات، ويبدو أنهم كانوا قادرون على تخليص أعضاء الوفد من عددٍ كبيرٍ من الأسئلة المحرجة، فمن أصل 15 سؤال تم توجيهها لوزير الخارجية أجاب عن تسعة لوفد الإعلام السوري.

ومع بداية الجولة الثانية من جنيف2 يرتقب الجمهور السوري جديد وفد النظام من كلمات “زلات لسان” و”مهاترات” و”كوميديا”، فصل جديد لا جديد فيه سوى أداء المزيد من أخطاء الممثلين وعثراتهم.


التعليقات