بغداد 15°C
دمشق 9°C
الأحد 29 نوفمبر 2020

إرسم جندياً سورياً


question

تخيل نفسك جالساً في منزلك، مطمئناً إلى حماية الجيش السوري لظهرك ويشعرك بالأمان، فتسترخي وتلعب بأحد أصابع قدميك. هذه ليست دعابة، إنه فحوى السؤال الثاني في مقرّر “التشريح الفني” لطلّاب السنة الرابعة في كلية الفنون الجميلة في دمشق. ولأن وضعية بطِرة من الاسترخاء كهذه تستوجب تمهيداً فقد كان السؤال الأول: “ارسم جندياً من إخوتنا في الجيش العربي السوري في وضعية الرمي لقنبلة يدوية”. إذ من المتوقع بعد أن يرسم الطلاب الجندي، وهو سؤال لا يمكن التغاضي عنه لكونه يحظى بنصف درجات المقرّر، لا بدّ أن يشعروا بالأمان التامّ، ويتخيّلوا أنفسهم في وضع خاص كالعبث بأصابع القدمين، ولا بد لكلية الفنون الجميلة أن تكون سبّاقة في توثيق لحظات تاريخية كهذه لشعب يلعب بأصابع قدميه من فرط التكاسل والأمان.

السؤال لا يوضح كيف سيميّز الطلاب، ومن بعدهم الأستاذ الذي سيدقّق الرسومات، بين جندي في “الجيش العربي السوري” ومقاتل ممن يطلق عليهم النظام تسمية العصابات الإرهابية. فهو ينصّ على رسم الجندي عاري الصدر لإبراز عضلاته وربما تحدّيه للظروف المناخية، ومن المعلوم أن البطاقات التي تميّز جنود النظام تُعلّق في أعلى السترة، شأنها شأن الشعارات التي راح السوريون يتعرفون عليها بعد الثورة مثل “لبيك يا زينب” و”يا لثارات الحسين”. من المعلوم أيضاً أن اللباس المرقّط ليس حكراً على مقاتلي النظام، إذ يرتديه مقاتلو المعارضة ومقاتلو الميليشيات المتحالفة مع النظام فضلاً عن شبيحته، أي أنه سيكون من الصعوبة معرفة ما إذا كان أحد الطلاب قد استغلّ السؤال ليرسم مقاتلاً معادياً، إلا بالاستئناس بفروع المخابرات التي تتحرّى التوجهات السياسية لجميع الطلاب.
الكلام عن انحطاط المؤسسات التعليمية في ظلّ النظام سيكون نافلاً، وسيحمل كماً كبيراً من السماجة بالمقارنة مع طرافة المثال السابق، كذلك سيكون تحميل السؤالين المتتالين ترابطاً منطقياً مقصوداً، كأن نقول إنهما يركزان على حركة اليدين والمفارقة بين الأولى التي ترمي القنبلة اليدوية والثانية التي تلعب بأصابع القدمين؛ مثل هذه المفارقة الساخرة لا يخطر في بال أساتذة النظام، ولو حصل لاستبعدوها فوراً قبل أن يقبض عليها عنصر المخابرات القابع في رؤوسهم. لكننا لا نملك إلا أن نتوقف عند العقلية التي ترى في طلاب السنة الجامعية الأخيرة أولاداً قاصرين تُملى عليهم حتى الأسباب التي ينبغي أن تدفعهم إلى اللعب بأصابع الأقدام؛ لا يقلل من ذلك أن السؤال محض افتراض.
من بين أخبار القصف اليومي بالبراميل، وتلك الأخبار التي لا تحمل جديداً عن مؤتمر جنيف، تأتي أسئلة الامتحان هذه لتطرد الرتابة، وليسترجع كل منّا أمثلة متشابهة تخص الآلة الإعلامية للنظام، وتقتضي ربما مئة ثورة عليه لا ثورة واحدة. ولعلّه من الغرابة بمكان أن النظام الذي اقتضى نهجه العقيم والسقيم الثورة عليه، لم يستفد إطلاقاً من الدرس، بل على العكس ازداد إصراراً على تكريس أسوأ ما فيه ودفعه إلى الصدارة. كأن هناك نواة في النظام نفسه لا شغل لها سوى تقديم أسباب الثورة طوال الوقت، وقطع خط الرجعة على كل من تسوّل له نفسه التساؤل عن أحقية الثورة ضده. فالنظام، من خلال مثالنا، يكرّر أنموذجه الذي يطمح إلى احتلال الوجدان والمخيّلة السوريين، رغم فشله في ذلك مرّات ومرّات. بل لم يزده الفشل إلا إصراراً على تكرار المحاولة البائسة ذاتها. ولأنه يدرك عجزه عن الإقناع فهو يكتفي بدفع أولئك الطلاب المساكين إلى الكذب توسّلاً للنجاح الدراسي، غير عابئ بأنهم ما أن يغادروا قاعة الامتحان حتى يبدؤون السخرية من جامعتهم وأساتذتهم وأنفسهم التي تركوها في القاعة.
عشرون درجة فقط من أصل المائة خُصصت لسؤال عن لوحة لليوناردو دافنشي، بهذا السؤال يمكن للمستشارة السياسية بثينة شعبان أن تستأنف سرديتها للعالم عن حداثة النظام وعصريته. ورقة الامتحان وضعت صورة عن اللوحة من دون الإشارة إلى اسمها، لكن معرفة الاسم كفيلة بتبيان مواءمتها للسؤالين الآخرين. اللوحة تحمل اسم The Battle of Anghiari ولكن بوسع المستشارة الزعم بأنها لوحة العشاء الأخير، وبأن من عادة الطلاب السوريين تناول القربان المقدّس قبل الدخول إلى الإمتحان. بوسعها أن تمسك بالورقة وتصرخ بها أمام كاميرات التلفزيون: انظروا.. ألا تكترثون بمصير لوحات دافنشي إذا استولى التكفيريون على سوريا، أليس دافنشي مسيحياً؟!
عمر قدور ـ المدن

التعليقات