بغداد 30°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

“عرسال” اللبنانية على ضفة المواجهة… وفي عمقها


3rsah1

رامز أنطاكي

عرسال، بلدة لبنانية في شمال سهل البقاع، تبعد عن العاصمة بيروت مسافة 122 كلم وترتفع عن سطح البحر 1400-2000م، يفصلها عن أقرب منفذ حدودي لبناني-سوري شمالاً (منفذ القاع-جوسية) حوالي 40 كلم، بينما تختصر الطرق غير الشرعية شرقاً المسافة حتى ما يقارب 15 كلم، وتقابل البلدة اللبنانية من الجهة السورية مدينة قارة ثم النبك إلى الجنوب قليلاً فيبرود، أي ثلاثة من أهم بلدات منطقة القلمون. طبيعة عرسال قاسية ووعرة والطقس فيها شديد البرودة في الشتاء، وسيارات الدفع الرباعي ضرورية للتنقل هناك بين المناطق العرسالية التي توزع عليها السوريون: وادي الأرنب، وادي حميد، رأس السرج، مخيم راكان، مخيم الشهداء، وادي عطا، وادي الخرابنة…

أخذ اسم عرسال يتردد أكثر فأكثر مع تفاقم تطورات الثورة السورية، والمعارك والإشتباكات التي دارت في المناطق الحدودية اللبنانية-السورية، كتلك التي جرت في تل كلخ والقصير ومحيطها وصولاً إلى منطقة القلمون بل حتى مدينة حمص نفسها. هذه الأحداث دفعت بالمدنيين الخائفين إلى التوجه نحو عرسال للجوء إليها هرباً من الخطر المحدق بهم في سورية، ومع الوقت صارت عرسال أيضاً أشبه بخط خلفي لمقاتلي الجيش السوري الحر بل ومقاتلي جبهة النصرة.

تبدأ رحلة اللاجىء –أو المقاتل- من منطقته الأصلية، مروراً بطرق التهريب التقليدية القديمة التي تتعدد في المنطقة الواحدة لكنها تبقى متقاربة أو متوازية، فبين عرسال ويبرود ما يزيد عن ستة طرق يمكن لسالكها أن يجتاز الحدود عبرها على نحو غير شرعي، ومن النادر جداً أن ترى لاجئاً سورياً في عرسال قد دخل الأراضي اللبنانية على نحو شرعي، خاصة مع المعارك والعمليات العسكرية الطويلة التي دارت في منطقة القصير والتي انتهت بسقوط المدينة بيد قوات النظام السوري ومقاتلي حزب الله، مما عطل حركة المعبر الحدودي الرسمي الأقرب إلى عرسال. طريقة العبور غير الشرعية التي يلجأ إليها هؤلاء السوريون تجعلهم لاحقاً يلتزمون بلدة عرسال لا يغادرونها، خوفاً من ملاحقة السلطات اللبنانية لهم، بينهم توفر لهم بلدية عرسال ما يسمونه “دفتر إحصاء” وهو عبارة عن ورقة كبيرة مجدولة تصدرها البلدية لتسجيل العائلات وتنظيم أمورها وتسهيل العمل الإغاثي.

للوصول إلى عرسال من الجهة الأخرى، أي من جهة العاصمة بيروت، يجب سلوك طريق بيروت زحلة فبعلبك إلى عرسال، التي يسبق الوصول إليها المرور على حاجزين للجيش اللبناني الذي يتميز بمعاملته المحترمة والسلسة عموماً مع العابرين. ويبقى تخوف قاصدي عرسال الأكبر هو مرورهم ببلدة اللبوة التي يسيطر عليها حزب الله، والتي لا يخفي سكانها معاداتهم للثورة السورية وتأييدهم لنظام الأسد، وإمتعاضهم الشديد من “الحالة العرسالية”. ومن الجدير ذكره هنا، أن الطريق الواصلة بين بعلبك وعرسال، ضمت منذ مدة بعيدة وصولاً إلى يومنا الحالي، مخيمات تجاور الطريق تعود للــ “نَوَرْ” بحسب التعبير السائد في المنطقة، هؤلاء “النَوَرْ” قام جزء منهم بتسجيل أنفسهم كلاجىئين سوريين لدى الأمم المتحدة واستفاد تحت هذه الصفة من المساعدات المخصصة للاجئين السوريين.

السوريون أكثر من اللبنانيين في عرسال

يقول سليمان الذي يعمل ضمن فريق إحدى المنظمات التي اهتمت بالعمل الإغاثي في منطقة عرسال: “بات اللاجئون السوريون أكثر عدداً من أهل عرسال في بلدتهم، وعدد لا يستهان به من هؤلاء السوريين هم مقاتلون سابقون أو حاليون، منهم من استقر في عرسال ومنهم من يعبر الحدود قاصداً عرسال بغرض زيارة عائلته وأصدقاءه قبل معاودة الإنتقال إلى سورية للمشاركة في المعارك الدائرة ضد قوات النظام”. ويتابع سليمان الذي يحمل الجنسية السورية والمستقر في لبنان منذ سنة ونصف: “أغلب السيارات في عرسال لا لوحات تسجيل لها، وبعضها يحمل مقاتلين سوريين، منهم من لا يخفي أسلحته الفردية الخفيفة ولا أجهزة الإتصال اللاسلكية، بل إن بعض السيارات يسمع منها أناشيد جهادية على غرار “نحن جندك يا أسامة” مترافقة مع علم مرفرف لجبهة النصرة يعلو السيارة”.

في بيئة مشابهة لا يمكن أن تلاحظ وجود سوري مؤيد لنظام الأسد، إذ يقول الشاب خالد ح. من أهالي عرسال: “حتى لو كان بين عشرات آلاف السوريين في عرسال بعض المؤيدين، فإنهم لن يجرؤوا على التصريح برأيهم وسط هذا الكم الهائل من المعارضين والمقاتلين… على كل حال أعرف عدداً كبير من السوريين في عرسال مما صاروا لا يريدون شيئاً سوى الخلاص”.

3rsal

محمد شاب عمل أيضاً مع إحدى المنظمات التي كان لها نشاط في عرسال وجوارها، يخبرنا عن أوضاع السوريين هناك، ووضع العمل الإغاثي، ودور أهل عرسال: “اللاجىء السوري يكاد يشعر أنه لم يغادر بلده هناك في عرسال، فهو غالباً محل ترحيب وعناية، عدا أنه قد أتى غالباً من منطقة تتشابه كثيراً مع عرسال لجهة اللهجة والطقس والطبيعة بالإضافة إلى التداخل العائلي العابر للحدود… طبعاً لا أريد أن أبالغ، إذ يبقى السوري في النهاية لاجئاً بحاجة لدعم متنوع ومستمر، وهنا للأسف قد تجلى ضعف العمل الإغاثي وغياب التنسيق، فعلى صعيد العمل المماثل هنا في لبنان، أصبحت هناك (موضة)، فأمس موضة إغاثة عرسال، واليوم مجدل عنجر، وغداً طرابلس… فعندما كثر الحديث عن إقتراب وصول عاصفة إلى المنطقة سارعت منظمات وجمعيات عديدة إلى توجيه جهودها إلى منطقة عرسال حيث الطقس شديد البرودة وتركز اللاجئين عالي النسبة، لكن دون أي تنسيق يستحق الذكر، فكثيراً ما استفادت عائلات من مساعدات متكررة بينما أهملت عن طريق الخطأ عائلات معوزة أخرى…”. يكمل محمد شهادته مشيداً بأهالي عرسال أو “العراسلة”: “أغلبية العراسلة يتعاملون مع السوريين بطريقة جيدة وأخلاقية، إذ بات مألوفاً لدي أن أسمع من رب إحدى العائلات السورية اللاجئة أن عائلة عرسالية فتحت لهم أبواب بيتها ليستحموا فيه نظراً لسوء وعدم تجهيز مقر إقامة العائلة السورية، أو يمكن كثيراً أن أسمع أيضاً أن عرسالياً دق باب غرفة عائلة سورية في ليلة باردة ليقدم لها مبادراً صفيحة من المازوت المخصص للتدفئة”. ويروي محمد قصة مؤثرة عن رجل فلسطيني بقي حياً بعد معركة تل الزعتر خلال الحرب اللبنانية، بينما توفي كل أفراد أسرته وبقي طفلاً وحيداً… أصبح هذا الرجل اليوم بعد استقراره في عرسال، مساعداً فاعلاً لكثير من السوريين، فقد استضافهم وأمن لهم سقفاً يؤويهم وساعدهم على تأمين متطلبات الحياة، فقط لأن محنته كطفل لاجىء شهد مآسي تل الزعتر ما تزال ماثلة في ذهنه. من جهة أخرى يقوم أحد أفراد عائلة حجيري المسؤول عن جامع ما زال قيد الإنشاء، معروف بجامع (بو سماعيل)، والمتموضع على قمة مرتفعة، بتقديم تسهيلات شتى للجمعيات التي تساعد اللاجئين السوريين، فكثيراً ما تتم عمليات التوزيع عند الجامع، فيأتي مسؤول الجامع بمتطوعين يساعدون في تفريغ الشاحنات ومساعدة منظمي عملية التوزيع. الجدير ذكره أن الجامع يشيد لتخليد ذكر أحد شبان العائلة الذي سبق له أن استشهد في العراق.

استغلال

“تبقى هناك أقلية من العراسلة تجد في السوريين عالة عليهم، وتعتبر أنهم أتوا كلاجئين واستفادوا من مساعدات عديدة ليصبحوا أحسن حالاً من العراسلة أنفسهم”، ويقول محمد أن أغلب هؤلاء العراسلة هم ممن يعتبرون من الميسورين مادياً في بلدتهم، ويقدم مثلاً عن الإستغلال الحاصل من قبل هذه الأقلية العرسالية: “تباع عبوة مياه الشرب مثلاً خارج عرسال بـ 1000 ل.ل. بينما يدفع السوري في عرسال ثمن العبوة نفسها 2000 أو 2500 ل.ل. لأن التاجر يستغل عدم قدرة اللاجىء السوري على الخروج من عرسال إلى المناطق المجاورة إذ لا يملك أوراق دخول رسمية إلى لبنان”.

بعد الإستقصاء عبر أكثر من مصدر، ومقاطعة الشهادات، يمكننا الإجابة عن الأسئلة المتكررة التي تطرح في شأن مماثل: نعم، هناك حالات وفاة بسبب البرد الشديد، حالات متعددة وموثقة. نعم، هناك من امتهن اللجوء وبات بجشعه سبب حرمان من يحتاج المساعدة فعلياً. نعم، المال الخليجي حاضر، حتى أن أي موظف في منظمة إغاثية يتفق أنه ذو لحية ولو خفيفة، ينادى تلقائياً من قبل اللاجىء السوري في عرسال بلقب شيخ أو حاج على أساس الظن أنه خليجي.

تعتبر نظرة محيط عرسال إليها مرتبطة بالتوجه الطائفي والسياسي لسكانه، مسيحيو رأس بعلبك والقاع اللتان تفصلان عرسال عن جوسية ليسوا مرتاحين لتجمع اللاجئين السوريين في عرسال ولا إلى حرية المقاتلين في الحركة، لكنهم إجمالاً لن يحولوا مشاعرهم السلبية إلى أفعال، ليبقى مصدر الخطر الحقيقي القرى والبلدات ذات الأكثرية الشيعية التي تدين بالولاء السياسي-الديني لحزب الله معروف الموقف من الثورة السورية.

أما فيما يتعلق بالدولة اللبنانية فيقول النازح سليمان: “رغم أنني سوري ومعارض للنظام السوري، وأتعاطف غالباً مع مقاتلي الجيش الحر، إلا أنني لا أملك أن ألوم أجهزة أمن الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش اللبناني إن قررت وضع حدٍ للفلتان الذي نشره السوريون في منطقة عرسال لجهة الخروج عن القانون وبعض المظاهر المسلحة والتطرف الديني”.


التعليقات