بغداد 21°C
دمشق 18°C
السبت 31 أكتوبر 2020

سوريا : حالة امن قومي


 John Kerry
اعلن وزير داخلية  أميركا أن سورية هي اليوم حالة امن قومي أميركي / أوروبي ، وذكر الإرهاب كسبب لاعلانه. يبدو ان سورية لم تكن حالة امن قومي قبل تصريح الوزير، رغم ما مارسه نظامها من عنف ضد شعبه، وانزله إرهاب سلطته بدولتها ومجتمعها من خراب ، وبمواطناتها ومواطنيها من قتل وتهجير واعتقال وتعذيب وتشويه ، وبمدنها وبلداتها وقراها من دمار . لم تصبح سورية حالة امن قومي ايضا رغم التهديد الذي تمثله سياسات النظام بالنسبة إلى الإقليم العربي والبلدان المجاورة ، والى سلام وامن العالم . لكنها صارت حالة كهذه بسبب إرهاب من نمط مختلف ، لا تقف وراءه دبابات ومدافع ميدان وراجمات صواريخ وطائرات واسلحة كيماوية وجرثومية، وانما يدعمه ما هو اخطر بكثير من هذه الأسلحة كالتظاهر من اجل الحرية وممارسة الدفاع عن النفس ، ورفض الخضوع للعنف والفساد والاستبداد . هذا الإرهاب الخطير جدا يعطي واشنطن الفرصة لتضييع المسائل والالتفاف على الحقائق والمماطلة في القيام بما عليها من واجبات كأعظم قوة في العالم ، تقول عادة : إن دورها يحملها مسؤوليات شاملة يفرضها انتشارها العالمي، وتفوقها العسكري والاقتصادي والتقني ،وارتباط امن العالم بمصالحها القومية والدولية . ليس إرهاب النظام الاسدي حالة امن قومي أميركية وأوروبية، لأنه إرهاب رسمي ، بينما الارهاب الذي يطارده الوزير الأميركي غير رسمي ، شعبي بمعنى ما ، فكيف لا يثير بصفته اللعينة هذه خوفها على امنها وامن أوروبا القومي ؟. بالمقابل ، ليس إرهاب النظام الاسدي ، الذي يقر العالم بأنه تخطى جمع الحدود والتصورات ، من الاخطار التي تستحق الانتباه ، او اتخاذ إجراءات ضده مما يتخذ عادة في مثل هذه الحالة ، حتى ان قام باستخدام السلاح الكيماوي ضد مواطنين عزل  جلهم من الأطفال والنساء ، تجعلهم مقاومة النظام إرهابيين، كما يتهمهم النظام الاسدي، وتعلن واشنطن الآن .
   تبدو واشنطن كمن باغته وجود الارهاب في سورية ، ولأنها عدوه اللدود، فقد أعلنت ما اعلنته بينما يخوض الجيش الحر معركة حياة وموت ضد ركيزته الأقوى في سورية : تنظيم ” الدولة الإسلامية في العراق والشام ” ( داعش)، وامتنعت عن قول كلمة إيجابية واحدة حول هذا الحدث الفائق الأهمية ، وحجبت حتى دعمها الكلامي عمن يموتون في سبيل تحرير وطنهم والعالم من إرهاب النظام والتنظيمات التي فبركها وفي مقدمها تنظيم “داعش” ، كما لم تثمن تضحيات هؤلاء وجهودهم لاستعادة الثورة من الذين يسرقونها ويشوهون طابعها كثورة حرية وديمقراطية . تجاهلت اميركا إرهاب النظام الأسدي المستمر منذ نيف وأربعين عاما ،  كأن تمحوره على ضحاياه السوريين لا يجعل منه إرهابا ، أو كأن الإرهاب يقتصر على مقاومة النظام مهما كانت نبيلة الغايات محقة المطالب ، ولا يرتبط بأي معيار أخلاقي او انساني ، وبما اذا كان يقتل ويجرح ويعذب مئات آلاف البشر ، ويشرد ويهجر الملايين منهم، ويمحو دولتهم عن خارطة السياسة ومجتمعهم من كتاب الوجود ! .
  هناك تفسير للموقف الاميركي يجعل الارهاب مقتصرا على الاعمال التي تستهدف الإطاحة بحكومة قائمة . هذا التعريف الأميركي والدولي للإرهاب ، لا يرى في قيام الحكومات بقتل شعوبها ارهابا، لأن الحكومات تمارس العنف بحكم وظيفتها ، لذلك لا يعتبر عنفها  إرهابا مهما كان مفرطا وعشوائيا واسقط من أبرياء . هل كل تمرد مسلح يستهدف اسقاط الحكومات إرهاب ؟. جواب واشنطن هو : نعم ، حتى إن كان هدفه نيل الحرية وبناء نظام ديمقراطي ، كما هو حال الثورة السورية ؟. من الواضح ان هذا الفهم يفسر موقف أميركا السلبي من قيام النظام الاسدي بقتل مئات آلاف السوريين، وتعريض شعب بكامله لعنف شامل اوصله إلى حافة الإبادة . لا تعتبر اميركا افعال الحكومة السورية ضد مواطنيها إرهابا ، وترى الإرهاب في دفاع الناس عن أنفسهم ، وتعتبره تهديدا لأمنها القومي كما قال وزير داخليتها، بينما تتجاهل ما في عنف السلطة من إرهاب شامل وغير مسبوق ، وترفض اعتبار ما ينجم عنه جرائم حرب يجب ان تتولى منظمات الشرعية الدولية اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبيها ، وترسلهم إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي او الى محكمة خاصة كي تنظر في امرهم .
   لا بد ان تغير اميركا والدول الأوروبية تعريف الإرهاب في القانون الدولي ، إن كانت صادقة في دعم ثورات الحرية والتخلص من النظم الفاسدة . عندئذ، سيصير النظام الاسدي هو مصدر الخطر على الأمن القومي الأميركي وامن العالم ، وسيقع التخلي عن مفاهيم ملتبسة تخلط بين المناضلين من اجل الحرية والإرهابيين ، وتعتبر النضال ضد الحكومات الظالمة إرهابا وليس نضالا من اجل الحرية والحياة، وتتخذ بالنتيجة مواقف معادية للثورة تحول دون تبني مواقف حاسمة ضد الإرهاب ومؤيدة للديمقراطية ، عدوه الحقيقي والوحيد. هذا الخلط بين الثورة والإرهاب يقوض الحرية ، ويلعب دورا حاسما في بقاء نظام اسدي كان دوما إرهابيا ومنتجا للإرهاب : في الداخل كما في العالم العربي والدول المجاورة والعالم !.
ميشيل كيلو ـ المدن

التعليقات