بغداد 15°C
دمشق 7°C
الأحد 29 نوفمبر 2020

عندما تتآكل الحاضنة الشعبية.. ماذا سيبقى؟


كتائب

ليلى زين الدين

ترك الجوع بصماته على أجساد آلاف المحاصرين في المدن السورية، أجساد هزيلة متعبه هدها الجوع، عيون تائهة فاقدة للأمل، مشهد كان يصعب تخيله قبل أن يطبق النظام حصاره على مدن كانت حتى الأمس تضج بالحياة، من حمص القديمة إلى مخيم اليرموك وببيلا ويلدا جنوب دمشق، الأسئلة ذاتها تطارد الجميع، من ينقذ هذه الجموع من جحيم الحصار والموت البطيء؟  كيف وبأي طريق؟ ماذا تبقى لهم بعد أن خذلهم الجميع، وأصبحوا ليس أكثر من صور لأشباه بشر يحتضرون أمام العالم؟.

هذا هو حال أبناء المناطق الثائرة، أو ما يتفق على تسميتهم بالحاضن الشعبي للثورة، منهكين متعبين ومخذولين خسروا كل ما لديهم، بعد أن كانوا بالأمس القريب يهتفون للحرية، يناشدون الجيش الحر ويدعون له بالحماية الإلهية، واثقون بكل حاملي السلاح أنهم أتوا لحمايتهم.

البعض كان محظوظاً ووجد منفذاً للفرار وتحولت أحلامهم إلى خيمة، وبعضهم لا يجدون مكاناً حتى في مخيمات اللجوء، وآخرون صامدون في مناطق خارجة عن سيطرة النظام “محررة” ولا خيار أمامهم إلا مواجهة النظام حيناً وأعداء الثورة من داخلها حيناً آخر.

ساعة الصفر..

“اخرجوا إلى المظاهرات إنها محمية “، هكذا بدأت حكاية الثورة المسلحة، في حمص والغوطة، امتدت بعدها إلى كل المدن الثائرة، التي اختارها الجيش الحر لتكون حاضنته، الخطوة التالية كانت الانتقال من الدفاع عن المتظاهرين إلى الرد على عنف النظام الذي كان بنصب فوق رؤوس المدنيين، بدأت مهاجمة مصادر النيران، وتأكدت القناعة أكثر فأكثر بأن النظام لن يسقط بدون مواجهاتٍ عسكرية، وحين بدأت الكتائب بالتشكل في الغوطة الشرقية وانتظر المدنيون ساعة الحسم وهي الدخول إلى دمشق، يقول الناشط أبو عبده من الغوطة الشرقية: ” المدنيون أرادوا أن لا تستمر المواجهات بين الجيش الحر على أراضيهم، وكان المطلوب أن تكون مواجهات مؤقتة ريثما يتم الانتقال إلى الحسم العسكري في العاصمة دمشق”.

لكن صدقت القاعدة العسكرية التي تقول: “إنه من السهل الدخول في الحرب لكن من الصعوبة أن تتمكن من إيقافها” فالجيش الحر الخارج من صفوف المنتفضين ابتعد عن تكتيكات حرب العصابات التي تقوم على الكر والفر، والمرونة العالية في القتال من خلال التوزع في مجموعات صغيرة ومفاجئة العدو، والانتقال الدائم من مكان لآخر، وواظب بشجاعة نادرة على البقاء في مناطق محدودة إلى أن أصبحت ركاماً فوق رؤوس أصحابها، في ظل اختلال ميزان القوى والإمكانات العسكرية وعدم وجود أي غطاء أو حماية جوية.

 ربما كان للحر أسبابه الموضوعية العسكرية والميدانية، وكان التعويل على التعلم من التجربة، وعلى رهانات سياسية بالحصول على مناطق حظر ومساعدات نوعية في التسليح، لكن لا المجموعات المقاتلة غيرت من أسلوبها، ولا الوعود بالمساعدات اللوجستية تحققت، وكانت النتيجة إرهاق الحاضنة الشعبية، وتحميلها ما لا يمكن تحمله، وحصار مطبق وقاسٍ، ما مهد الطريق بالنهاية إلى فرض هدنٍ ومبادرات لا يمكن قراءتها إلا في سياق محاولات النظام لإخماد الثورة.

انقلاب الادوار

الجيش الحر الذي تشكل لحماية المدنيين ما لبث أن قلب الأدوار، حيث أصبح يحتمي بالمدنيين  في بعض المناطق، يدخل المناطق ويستعصي بها دون امتلاكه لقدرة على حمايتها أو حماية مدنييها، وتأمين متطلباتهم، وأيضاً له أسبابه لكن ما يدفعه المدنيون بات باهظ الثمن ولا يمكن احتماله.

النظام الذي استخدم العنف المعمم حتى ضد المظاهرات السلمية، ليس غريباً منه استخدام كل الوسائل الكفيلة لإنهاء الثورة، لكن من زاد في خذلان جمهور الثورة وحاضنتها هو أداء الكتائب نفسها على الأرض وعدم تمكنها من تقديم النموذج الجاذب المثال لقيم التسامح والنزاهة العدالة.

 ناشطة إعلامية من الغوطة فضلت عدم ذكر اسمها لأسبابٍ ترتبط بتطرف بعض الكتائب تقول: “جميعنا ندفع ثمن الثورة التي أردناها وإن كان الثمن غالياً، لكن لا يمكن أن يتحمل المدنيون تضييق بعض الكتائب، فمنذ فترة هناك مناشير يومية يتم رميها في الغوطة دعوةً للفتيات من أجل الالتزام الديني، وبطبيعة المجتمع هنا محافظ لكنهم يزيدون التضييق أكثر فكل من هي غير محجبة تتعرض للتضييق، صديقتي كانت تسير دون حجاب ولو لم تكن تحت حماية أحد كتائب الجيش الحر، كان يمكن أن تتعرض للإهانة”.

ناشط آخر أيضاً من الغوطة الشرقية، لا يستطيع استلام حوالاتٍ تأتيه من الخارج بفعل الحصار، وطلب من “جيش الإسلام”، فعل ذلك لكنهم اشترطوا أن يحصلوا على نسبة 100 دولار على كل ألف دولار، جيش الإسلام نفسه الذي يختزن الطعام ويبقى المحاصرون جياعاً، حيث يقول الناشط: “في يومٍ من الأيام جمعت الثورة كل أبنائها، لكن الجوع اليوم يفرقهم، الكتائب على الجبهات لا يهمها المدنيون داخل المناطق المحاصرة، وما يهمهم تأمين ذخيرة المقاتلين وطعامهم”.

 السلاح اولاً

ويتساءل الناشط كيف دخل السلاح الذي قاتلت به الكتائب في عدرا العمالية؟، الكتائب قادرة على إدخال السلاح، والطعام، لكنها لا تسكت به جوع المحاصرين، من المدنيين العاجزين عن تأمينها، ليكون سؤال المحاصرين المحق لماذا الموت جوعاً لا يحصد سوى المدنيين؟.

وفي حمص لا تختلف الروايات كثيراً، فأحد الطرق الذي كان متاحاً لدخول وخروج المدنيين هو طريق البساتين، لكن أحد قادة الكتائب “أبو محمد بحلاق” رفض أن يكون هذا الطريق ممراً للطعام، وانتهى الأمر بمن بقي من المدنيين المحاصرين بالوصول إلى هدنةٍ مذلة، أودت بالعشرات إلى الاعتقال.

جنوبي دمشق أيضاً يشترك في حكاية الوجع والموت اليومي، حيث يحصد الموت جوعاً عشرات الشهداء، ولم يسلم المحاصرون من براميل الموت ولا من القناصة، ثمانية أشهرٍ من الحصار وخلفها قصص يرويها من بقي على قيد الحياة.

 فساد وسرقات واعتقالات

الهدنة التي دخلت لتوها قيد التنفيذ، والتي اعتبرها البعض صلحاً مع الجلاد، واستسلاماً لإرادته، لم يكتب لها أن تكون على هذه الحال لولا أداء الجيش الحر داخل تلك المناطق يقول أبو سالم أحد الناشطين داخل ببيلا: “لم ينس يوماً المحاصرون ما فعله لواء الحجر الأسود الذين استلموا الأبنية المواجهة لساحة البطيخة، على خط المواجهة الأول، وهي التي تركها أصحابها وخرجوا منها، وتعرضت هذه الأبنية للنهب، علاوةً عن مستودعات هذا اللواء سواء في المخيم أو في الحجر الأسود، والتي تم تأسيسها من النهب والسرقة”، ويضيف الناشط أنهم “حتى قاموا باعتقال ناشطين، وشكلوا قوة على الأرض بالتعاون مع عددٍ من الكتائب الأخرى، ليدخل المخيم والمنطقة الجنوبية في مواجهات بين الجيش الحر وبين هذه الكتائب، الأمر الذي جعل هذه الكتائب ضعيفة غير قادرة على تقديم أي شيء للمدنيين، وبالنتيجة تخلت عن وعودها الضمنية بحمايتهم”.

 خيانات واختراقات

ويزيد الناشط على ذلك بإشارته إلى الخيانات التي أدت إلى سقوط السبينة في ظرف ساعات، بيد كتائب حزب الله وجيش النظام، والمدنيون هناك لا يستطيعون الدخول إلى بيوتهم بسبب احتلالها من قبل النظام.

المدنيون صمدوا في وجه الذبح والبراميل والرصاص، لكن أشد الأسلحة فتكاً كان حصار الجوع، والمتاجرين به من داخل المناطق المحاصرة، حيث بعض المكاتب الإغاثية قامت بسرقة المعونات، والمساعدات النقدية “شهر تصل وعشرة أشهر لا تصل”.. وفق ما يقوله سليم وهو ناشط في مخيم اليرموك، ويضيف.. “كل من على الجبهات لم يكترث لجوع المخيم، ولم يقدموا كسرة خبزٍ لطفلٍ جائع، ولا حتى الدواء، وتاجروا بجوع المخيم، واحتكروا المواد وباعوها بأسعارٍ خيالية”.

 تشتت ومخاوف

ليس فقط الأداء الارتجالي وفقدان الخبرة القتالية للحرب هي ما أوصل المناطق المحررة إلى جزر تئن تحت وطاة الجوع والحصار، وتنشد الخلاص لإنقاذ حياتها وحياة أطفالها، أيضاً تشتت الكتائب المقاتله وافتقارها إلى التنظيم والتوحد والخطط الموحدة والمنسقة للعمل وعلى كافة الجبهات، فعل فعله في النتائج المخيبة، رغم كل ما قيل عن مجالس موحدة وجبهات عريضة، وقيادات أركان، وغرف عمليات، فإن واقع الحال لا يعكس ما يتم تصويره أمام الكاميرات.

وفي ظل انعدام أفق أي حل سياسي أو دعم عسكري نوعي للتسليح المعارضة المسلحة وتوحيدها أو على الأقل تنسيق عملها بخطط واستراتيجية موحدة، فإن الحاضنة الشعبية تتآكل من مكان إلى اخرى، ما سينعكس سلباً على ميزان القوى ويشكل تهديد حقيقي لكل ما حققته الثورة.


التعليقات