بغداد 32°C
دمشق 27°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

ناظر جنيف يعتذر!


جنيف

عقب انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات جنيف2 بما يشبه الانهيار بادر المبعوث المشترك الأخضر الإبراهيمي إلى الاعتذار من الشعب السوري الذي، بحسب تعبيره، “كانت لديه طموحات أن شيئاً ما سيتحقق في مباحثات جنيف، وخصوصاً أن القليل من الحماس الذي طرأ على حمص شجعهم على التفاؤل للخروج من هذه الأزمة المرعبة”. إعتذار لعله يقع في خانة اللياقة والدبلوماسية لولا أن الإبراهيمي كان قد حدّد سابقاً الإطار الأخلاقي لمهمته بالمسؤولية أمام الشعب السوري، فيما بقيت مسؤوليته “الإدارية” أمام الجامعة العربية قيد الالتباس، فليس معروفاً ما إذا كان لا يزال يمثّل الجامعة العربية على رغم الافتراق بينه وبين توجّهات أمينها العام إزاء سوريا، بخاصة لأن تمثيله للجامعة قد تم تهميشه بعد اشتراط النظام السوري قطع علاقته بها ليقبل بالتعامل معه.

كان من الأولى بالإبراهيمي ألا يتحدث عن طموحات السوريين بجنيف أو عن تفاؤلهم بصفقة حمص القديمة بين النظام والأمم المتحدة، فالسوريون بنسبة كبيرة لم يعلقوا الآمال على المفاوضات في حد ذاتها، وهم واعون إلى درجة تمكّنهم من فهم أن المفاوضات لن تكون سوى تزجية للوقت في انتظار نضوج تفاهم دولي. أما صفقة حمص القديمة فلم تقدّم سوى أسوأ نموذج للحل، لأن الأمم المتحدة لم تتمكن من إيصال المساعدات الغذائية إلا بصعوبة وبشكل محدود، ولم تتمكن من حماية المدنيين الخارجين من الحصار عندما تعرضوا للاحتجاز من قبل المخابرات السورية، بل قبلت بعثة الأمم المتحدة مبدأ استجوابهم من قبل أجهزة المخابرات، وتغاضت بذلك عن واحد من أهم حقوقهم الأساسية والذي لا يقل عن حقهم في الحياة.
أغلب الظن أن الإبراهيمي لا يعرف بدقة مكانته لدى السوريين الذين يعتذر منهم، ففي معسكر النظام هناك امتعاض ونقمة عليه بسبب تجرّئه يوماً على مفاتحة رأس النظام بأمر تنحّيه مع المرحلة الانتقالية، وقد شن إعلام النظام ومؤيدوه حملات من الشتائم ضدّه لم تتوقف إلا بعد زيارته إيران وتأكيده على ضرورة مشاركتها في جنيف2. أما في معسكر الثورة فالرجل لم يُستقبل بالترحاب منذ تكليفه إثر فشل كوفي عنان واستقالته، ومنذ سيل التصريحات الصحفية التي راح يطلقه قبل قبوله رسمياً بالمهمة. تلك التصريحات لم تكن تنبئ بعزم صاحبها على تقديم اقتراحات جديدة، وانصب معظمها على التحذير من مآلات الوضع السوري المتفاقم، أي على ترداد ما يعرفه الجميع ومن دون أن يشير إلى الأطراف التي تتحمل مسؤولية الوصول إلى الوضع الحالي. خلافاً لعنان وخطته الشهيرة، لم يقدّم الإبراهيمي أي تصور جديد، ولم يتجرأ على الإشارة بقوة إلى من يتحمل مسؤولية المجازر اليومية ومَن يعرقل فرص الحل. بهذا المعنى، لم يكن الإبراهيمي ينظر بجدية إلى مسؤوليته الأخلاقية إزاء السوريين، وكان طوال الوقت يمارس مهمته كمجرد وسيط سلبي يحرص على عدم استفزاز أحد حتى ضمن مقتضيات بنود جنيف1.
الاعتذار الذي لا ينتظره السوريون هو أن يعتذر الإبراهيمي عن إكمال مهمته، معلناً فشله أو ملقياً بالمسؤولية على الذين استخدموه لتغطية هذا الفشل. ثمة ثقة وحيدة لدى السوريين هي أن الرجل لن يُقدم على هذه الخطوة لأنها لا تتناسب مع طبيعته، وأيضاً لأن بقاءه يفي بالمطلوب حالياً من عملية جنيف، ولا تشكّل ديناميته الشخصية الراهنة إحراجاً لأحد بما أن غالبية القوى الفاعلة متفقة على الحد الأدنى من الاكتراث بمعاناة السوريين. في الواقع يبتعد الرجل كثيراً عندما يتحدث عن تفاؤل السوريين، ففي حوالى عشرين شهراً من استلامه لمنصبه كمبعوث دولي وعربي مشترك لم يلمس السوريون من خلاله جدية دولية أو عربية، وفي فترات عديدة غاب عن الأنظار حتى ما عادوا يتذكرون وجوده.
للمعتقلين السوريين حكاية أخرى لا تنسى مع الإبراهيمي، فمزاج الجلادين وفكاهة روحهم اقترحا اسم “الأخضر الإبراهيمي” لأحدى أدوات التعذيب؛ الأداة هي ماسورة خضراء من تلك التي تُستخدم عادة في تمديدات المياه في البيوت، في رأسها كتلة معدنية يُضرب بها المعتقل على كافة أنحاء جسده، بما في ذلك الرأس. الجلادون لا يفتقدون حس المرح، إذ يسوقون المعتقل قائلين له: الآن ستقابل الأخضر الإبراهيمي وتخبره عن مطالبك. السوريون عموماً، مهما بلغ امتعاضهم من أداء الإبراهيمي، لا يتمنون له أن يكون إسماً لأداة تعذيبهم، ويأملون ألا يرتضي ذلك لنفسه.
عمر قدور ـ المدن

التعليقات