بغداد 33°C
دمشق 23°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

عزلة المواطن السوري


سوري
كنا في السابق نتهم الإسرائيليين والأمريكان باستخدام المدنيين الفلسطينيين والعرب وغيرهم من دول العالَم المتخلف فئران تجارب للأسلحة الحديدة الفتّاكة. وكان الاتهام صحيحا. ولكن من كان يتصور أن يقوم نظام “الممانَعة” في دمشق بفعل ذات الشيء على شعبه. وليس الأمر من باب الإشاعات التي تنشط دائما في كل الحروب. وإنما هي الحقيقة عينُها.
لقد تلقّى الشعب السوري الأعزل، فوق رأسه، كل نوع من الأسلحة التي يمكن تخيّلها، من التقليدي إلى الكيماوي، إلى البراميل التي تَهْوي من فوق فلا تفرق بين مسلح مفترض ومدنيين مؤكدين. لا يهم دم المدني السوري. المهم هو أن البرميل يجب أن يسقط، وأن يثير أكبر قدر من الضحايا ومن الرُّعب. يجب أن يتواصل رعب المُواطِن السوري. ألَم يُفكر في تجاوز هذا الرعب الذي طال منذ عقود؟! إذن فعليه أن يدفع الثمن. إنه، في منطق المافيا السورية المتسلطة، هو مَنْ فكّر في تغيير المعادلة. ألَمْ يكن يعيش مثل جميع شعوب الدول العربية والاسلامية؟! لماذا تحرّك مثل بعض هذه الشعوب؟!
وبينما يلتقي ممثلو النظام السوري مع وفد الائتلاف في مفاوضات عبثيّة (لم تُكرّس لها وسائل الإعلام المرئية الفرنسية مجتمعةً، حسب مجلة بوليتس الأسبوعية، أكثر من دقيقتين!)، لا يتوقف دم المواطن السوري عن النزيف. ولا يتوقف مسلسل تهجيره إلى الخارج الذي أصبح عدوانيا وغير مُرحِّب به، ولا تهجيره في الداخل السوري، الذي أضحى، بحق، ركاما وأنقاضا كبيرة. ماذا تبقى لهذا المواطن السوري الأعزل في سوريا؟! لا شيء. ازداد النظام شراسة وإرهابا، وازدادت قوى المعارضة تشتتا وتصارُعاً، وازداد الشقيق العربي والإسلامي بُعدا سحيقا.
إنه الجنونُ، إنه اليأس الكبير.  إنه الملل القاتل. والانتظار المميت.
نعم يظل المواطن السوري الأعزل هو الغائب الكبير في كل الاتصالات والتسويات، رغم أنه هو وَقُود الثورة ومُحرِّكها وخالقها وضامِن استمرارها.
لقد ذاق هذا المواطن السوري كل أنواع البلاءـ ولم يعد ثمة شيءٌ في وسائل القتل لم يُجرِّبه النظام وأنصارُهُ ومُمانعوه على أجساد المواطنين السوريين.
فما الذي ينتظره العالم كله، العربي وغيره، حتى يُبدي بعض التفهم لمعاناة هذا الشعب؟!  هل ينتظر حتى يقضى عليه حينها يُهيّء الحداد والجنائز؟
 كلما أراد أن يتحرك، وأن يستصرخ تأتيه الإجابة التي لا تعرف التأخر، الصواريخ والقنابل والبراميل المتفجرة… هذا الاختراع الدموي في سوريا…
في جديد المنظمة غير الحكومية هيومان رايس ووتش أن النظام السوري جرّب، مؤخرا، على شعبه في مدينة حماة قذائف جديدة قوية جدا، لم تُستخْدم من قبل. وقد أثبتت صُورٌ تلقتها المنظمة هجوماً جديدا للنظام السوري استُخدِمت فيه قذائف أرض – أرض 300 ميليمتر 9M55K من صنع روسي قادرة على حمل عشرات القنابل العنقودية. ويعود تاريخ استخدام هذا السلاح الجديد إلى 12 و13 فبراير/شباط 2014.  وهي قذائف أكبر، ثلاث مرات، من الأسلحة الأخرى، وهي تتسبب في موت الكثير من المدنيين. وتعبّر هذه المنظمة عن إدانتها لمواصلة النظام استخدام هذه الأسلحة المحرمة دوليا (محرمة في 113 بلدا). “إن هذه القنابل العنقودية هي بصدد قتل المدنيين السوريين وتهدد الأجيال القادمة”. إنها تقتل دون تمييز وهذه القنابل الصغيرة التي تحملها تنتشر بشكل واسع وتواصل قتل وبتر اعضاء المدنيين خلال فترة طويلة بعد الهجوم الأول.
ما الذي يراد، حقا من المواطن السوري أن يفعل؟!  أن يركع؟ أن يعود إلى الرشد؟!  إن من السهل أن ندبّج القصائد التي تتغنى بصموده ولكن هذا لا يحقق له شيئا. إنه لا يريد هذا النوع من “الحبّ القاسي”.  إنه يريد أن يفهم فقط، لماذا تُحْظَر على مقاومته والمدافعين عنه أسلحة الدفاع الفعالة؟ لماذا يواصل النظام السوري سيطرته الجوية المطلقة، ولا يتلقى المدافعون صواريخ لحماية رؤوسهم؟! لماذا حمت أمريكا والغرب رؤوس الأكراد في العراق من طائرات صدّام حسين، ولا يُفعل ذات الشيء في سوريا؟! أليس السوريون بشر كباقي البشر؟!  ألا يستحقون الحماية وفق معاهدات حنيف ووفق كل الأعراف والديانات، كباقي شعوب الكرة الأرضية؟
إذا كان الآخرون لا يريدون التدخل لإنقاذ هذا الشعب من جنون المتسلط على رقابه (سيمنح التاريخ، حتما، للأسد مكانة متقدمة في البشاعة البشرية)، فلماذا يحاصرون مقاومته؟ ولماذا يترددون في تسليحها؟ ولماذا يستخدم بعضهم “الورقة السورية” لإنجاز صفقات أخرى بعيدة؟ ولماذا يتخلى البعض عن مأساة السوريين لتثبيت كراسيهم وامتيازاتهم؟!
بشير البكر ـ المدن

التعليقات