بغداد 31°C
دمشق 22°C
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

تحوّل في العلاقات السوريّة-اللبنانيّة


حزب الله

رتّب التدخّل العسكريّ لحزب الله في سوريّا، بين ما رتّبه، تحوّلاً ضخماً في طبيعة العلاقات اللبنانيّة – السوريّة. فمنذ استقلال البلدين الجارين في الأربعينات، اتّسمت تلك العلاقات بخوف البلد الأصغر من البلد الأكبر وإخافة البلد الأكبر للبلد الأصغر.

وهذا لئن بلغ ذروته مع الأنظمة العسكريّة، لا سيّما نظام حافظ الأسد، فإنّ العهود المدنيّة القصيرة العمر لم تسعَ، هي نفسها، لطمأنة اللبنانيّين. ذاك أنّ تعلّق السياسيّين السوريّين يومذاك بخرافة القوميّة العربيّة، مصحوباً بالميل إلى التشكيك بشرعيّة الكيان اللبنانيّ ومشروعيّته، أقلقا اللبنانيّين من مشاريع ضمّهم وإلحاقهم.

ولم تكن قوّة الجيش السوريّ قياساً باللبنانيّ، ودور الدولة في اقتصاد سوريّا، وثقافة تمجيد الدول البسماركيّة الكبرى، فضلاً عن تبكير دمشق في توطيد علاقاتها مع الكتلة السوفياتيّة، غير محفّزات لذاك القلق.

لكنّ الأنظمة العسكريّة، بطبيعة الحال، ذهبت أبعد كثيراً في الإخافة والإقلاق. فحسني الزعيم، صاحب الانقلاب العسكريّ الأوّل في سوريّا، في 1949، دعم على نحو مباشر انقلاب أنطون سعادة، زعيم الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، في العام نفسه. حتّى إذا فشل الانقلاب الهزيل وفرّ سعادة إلى دمشق، سلّمه الزعيم إلى السلطات اللبنانيّة التي أعدمته من دون محاكمة.

وإبّان عهد الوحدة المصريّة – السوريّة في 1958 – 1961، عزّزت الزعامة الناصريّة وسلّحت ما عُرف بـ”ثورة 58″ في لبنان التي هدّدت بتقويض مرتكزات الكيان اللبنانيّ نفسها. ثمّ في نهاية الستينات، أهدى نظام البعث لبنانَ التنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة، ثمّ مضى، بعد 1970، في تمرير المسلّحين القادمين من الأردن إلى مناطق الجنوب والبقاع الجنوبيّ. وهي هدايا ما لبثت أن انفجرت حرباً أهليّة – إقليميّة لم يبرأ لبنان حتّى اليوم من مفاعيلها.

على أنّ نظام الأسد، خصوصاً منذ دخوله العسكريّ الأوّل في 1976، تجاوز كلّ التجارب السابقة، ممسكاً برقاب لبنان واللبنانيّين في عيشهم وسياستهم وكراماتهم. وهو ما استمرّ، مع لحظات تقطّع قصيرة، حتّى خروج الجيش والأمن السوريّين في 2005.

بيد أنّ انخراط حزب الله في الحرب السوريّة غيّر منطق العلاقة هذه وبثّ تحويلاً عميقاً في وظائفها. ذاك أنّ الحزب المذكور، وهو المشارك في الحكومات التي تُشكّل في بيروت، بات الطرف المتدخّل في سوريّا، والمشارك في قتل شعبها وإذلاله، فضلاً عن الحؤول بينه وبين تقرير مصيره.

لقد صار الجلاّد لبنانيّاً يقلّد سيّده السابق في دمشق.

وهذا الانقلاب في الأدوار هو ما يحضّ اللبنانيّين الطامحين إلى علاقات متكافئة وندّيّة بين جارين، على الاستنكار بأعلى الصوت، ومحاولة التعويض الجزئيّ بسلوك يكون أشدّ انسانيّة ورحابة حيال المهجّرين من سوريّا. فباستنكار كهذا، وهو أضعف الإيمان، يقترب اللبنانيّون من المنصّة الأخلاقيّة الرفيعة ومن الموقف السياسيّ العادل.

 

حازم صاغية ـ now


التعليقات