بغداد 31°C
دمشق 35°C
الخميس 1 أكتوبر 2020

«حزب الله» وسوريا.. والانسحاب


حزب الله1

لا يوجد أدنى شك بأنّ السيد حسن نصرالله يتمتّع بشرعيّة القيادة وبالشجاعة. لقد نجح بعد استشهاد عبّاس الموسوي في حمل الأمانة وتحويل المقاومة إلى مثال للمقاومة المؤمنة والملتزمة سياسياً وأخلاقياً ونضالياً وتضحيةً وصولاً بها إلى تحرير الجنوب. حرب تموز 2006 شكّلت قمّة إنجازات قيادة السيد حسن، التي منحته شرعيّة الزعامة في العالمَين العربي والإسلامي، وأعادت «العمامة السوداء« رمزاً وشعاراً كما كانت مع الإمام الخميني. دون الدخول في التفاصيل والأسباب وقواعد اللعبة السياسية اللبنانية المعقّدة، فإنّ ما حصل بعد حرب 2006 وصولاً إلى 7 أيار وما بعده، شكّل مساراً انزلاقياً، كان الانخراط في الحرب في سوريا قمّة الهروب إلى الأمام. أيضاً كما أنّه يجب ترك مناقشة كل ما جرى بعد 2006 إلى مرحلة لاحقة تكون قد رُفعت فيها «السكين» المذهبية عن وريد الوطن، فإنّ الوقت الآن ليس مناسباً لمناقشة الأسباب التي دفعت السيد حسن لإرسال شباب المقاومة إلى القصير ومن ثم إلى كل الجبهات السورية تقريباً وتحويلهم من مقاوِمين إلى «ميليشيا« (مهما كانت الكلمة قاسية) في خدمة طرف في السلطة في إيران (أشدّد على ذلك، لأنّ السيد يعرف جيداً أنّ المعارضة الإيرانية لانخراط إيران في سوريا تتصاعد إن لم يكن لأسباب مبدئية فلأسباب اقتصادية ومالية طالت آثارها أكثر من 70 في المئة من الشعب الإيراني)، ولإنقاذ الرئيس بشار الأسد باسم الحفاظ على المقاومة (ولن أدخل في تاريخ آل الأسد الطويل في ذبح المقاومة من طرابلس إلى ثكنة فتح الله، مروراً باغتيالات قادة المقاومة الوطنية).

أمام هذا الواقع المرّ أصبح السكوت مشاركة علنية في حرب مكشوفة لن تخرج منها المقاومة ولا الطائفة الشيعية في لبنان سالِمَتين (في 1/6/2012 كتبتُ في هذه الزاوية عن «حرب الكفن ضدّ الكفن» وكيف يخوض الرئيس باراك أوباما أوّل حرب في العالم دون كلفة بالرجال والمال ضدّ عدوَّين له «القاعدة» و»حزب الله»).

الآن وقت المكاشفة الواقعية. الانسحاب من سوريا أمر صعب، لكنه يا سيّد المقاومة ليس مستحيلاً. الخسائر حتى الآن يمكن تعويضها، لكن كل يوم جديد في حرب استنزافية ممنوع فيها الانتصار، لن تعود محمولة. كل يوم حرب جديد يعمّق خندق الكراهية والحقد بين الشيعة والسنّة. تكفي الشعارات المرفوعة والأناشيد المسجّلة لتقدير عمق الخنادق التي تفيض بالدماء. سواء شئنا أم أبينا، فإنّ تدمير سوريا بالبراميل المتفجّرة سيكون له حساب ضمن لائحة الجرائم الإنسانية. المكاسب العسكرية الصغيرة ومنها القُصَير، ليست نهائية. الحرب في لبنان كانت تشهد كل يوم تقدّماً أو تراجعاً إلى خطوط تماس مرسومة. الرئيس باراك أوباما لن يأتي إلى السعودية في زيارة بروتوكولية، لذلك لن يكون خالي الوفاض. النتائج العسكرية ستؤكد ذلك.

الانسحاب ممكن الآن، حتى لو كان التزامك بولاية الفقيه وبالولي الفقيه وما يقرّره مطلقاً. يا سيّد المقاومة، لقد قَبِلَ الإمام الخميني «شرب كأس السمّ» وأوقف الحرب مع العراق عندما أدرك أنّ بلاده على قاب قوسين من الهزيمة الكاملة بعد أن اجتمع نصف العالم ضدّه. اختار الإمام الخميني وهو الذي يملك الشرعيّة الثورية والزعامة المطلقة، مصلحة إيران والشعب الإيراني على نفسه وموقعه فدخل التاريخ من بابه الواسع. أيضاً ها هو الولي الفقيه آية الله علي خامنئي، يأخذ «بالنهج الحسني» المختصر بشعار «الليونة البطولية» ويتحاور مع «الشيطان الأكبر» وهو على قاب قوسين من إنجاز المصالحة الكاملة. لقد اختار المرشد مصلحة إيران والإيرانيين بعدما أدرك أنّ المقاطعة الاقتصادية ستؤدّي إلى انفجار شعبي ستجد فيه قوى خارجيّة عديدة سبيلاً إلى «سورنة» بلاده، لأنّ الجوع كافر والكرامة المفقودة «قنبلة نووية« عند الشعوب خصوصاً مثل الشعب الإيراني الذي قام بثلاث ثورات في قرن واحد.

السيد حسن نصرالله، يمكنك إنقاذ المقاومة كما عملت على بنائها. يمكنك إنقاذ الشيعة من براثن الأحقاد والمذهبية (كيف تحوّل الشيخ الأسير من حالة تثير السخرية إلى حالة أصولية جعلته الآن أميراً لـ»النُصرة» على لبنان بعد تحويله من أرض نُصرة إلى أرض جهاد).

الحرب الاستباقية التي قمتَ بها في القُصير فشلت، لأنّ النصر العسكري وحده لا يصنع الانتصار السياسي. معركة القلمون أخطر بكثير. يتساءل الكثير من الشيعة القلقين وحتى الخائفين في الضاحية والبقاع الشمالي هل إذا انسحب الحزب من سوريا ستتوقف العمليات الإرهابية؟

الجواب بسيط: لا يوجد أي ضمانات لمنع المجرم من ارتكاب جرائمه. على الأقل، لن يبقى أي سبب يمنع قيام جبهة موحّدة تضمّ كل اللبنانيين قبل الشيعة ضدّ «التكفيريين». في النهاية إيران دولة كبرى في المنطقة، وسوريا دولة – مركز في العالم العربي، أمّا نحن شيعة لبنان فلسنا أكثر من طائفة محدودة العدد و«أسيرة« هذا الوطن الذي ما زال علينا المحافظة على جنوبه من العدو الإسرائيلي وتحرير ما تبقى منه وفق «النهج الحسيني الاستشهادي«، والعمل على تنمية البقاع الغارق في الإهمال والفقر وفق الإيمان بالعدالة وبالدولة.

أسعد حيدر ـ المستقبل


التعليقات