بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

قرار آخر مغشوش


SC meeting on the situation ion the middle east

أن يتفق أعضاء مجلس الأمن، ضمن الانقسامات الحالية في شأن سوريا، على قرار جديد فهذا أمر لا يبشّر السوريين بتحول دولي إزاء مأساتهم، بل لا يؤشر سوى على صفقة فاسدة مُرضية فقط لأصحابها. القرار 2139 الذي تبناه مجلس الأمن يوم السبت الفائت بعد تعديلات جوهرية أدت إلى موافقة الروس سيذهب على الأرجح إلى ثلاجة القرارات العديدة التي بقيت للذكرى فحسب. فالقرار الذي يُعنى أصلاً بالشأن الإنساني تم تجريده مسبقاً من آليات تنفيذ واقعية تضمن وصول المساعدات الدولية، مثلما تم تجريده من آليات ردع تلقائية تمنع النظام السوري من عرقلته، ولنا في تلكؤ النظام في تنفيذ القرار 2118 الخاص بإزالة الأسلحة الكيماوية أسطع برهان على الكيفية التي سيتعامل بها مع القرار الجديد، فمن يعرقل قراراً اتُخذ تحت التهديد العسكري لن يعبأ بقرار اتُخذ تحت ضغط الإحراج الإنساني ليس إلا.

مع المصادقة على القرار بالصيغة التي صدر بها يسقط ما قيل سابقاً عن نية غربية لإحراج الروس، بخاصة ما قيل عن استخدام الشأن الإنساني وسيلةً لذلك في أثناء الألعاب الأولمبية الشتوية. الروس كما أظهروا أكثر من مرة غير مهتمين بهذه الاعتبارات، ولا فرق لديهم إن مات مئات آلاف السوريين تحت القصف أو بسبب المجاعة. بل لعل هذه الفوارق ابتداع غربي مبتذل أصلاً، فأن تتحرك القطع الحربية الأمريكية إلى المتوسط بسبب مقتل حوالى ثلاثة آلاف شخص في قصف الغوطة بالكيماوي، وأن لا يتحرك العالم بعد كشف مقتل ما يزيد عن عشرة آلاف معتقل تحت التعذيب، هذا التمييز يتنافى مع “العقلانية” الروسية التي تساوي بين جميع حالات القتل وتعتبرها مشروعة في سبيل الحفاظ على النظام. القيادة الروسية أكثر مبدئية من نظيراتها الغربية، فبحسب ما نقل عنها وفد المعارضة السورية في زيارته الأخيرة لموسكو هي ضد أي تغيير للأنظمة، هي ضد فكرة الثورة بالمطلق، ومن المتوقع أن يكون أعلى ما تقبل به من مظاهر الديمقراطية أن تعني الأخيرة المداورة على غرار ما يحصل بين بوتين وميدفيدف.
ينصّ القرار الجديد على مهلة شهر يعاود المجلس بعدها تقييم تنفيذه، ويعلم أصغر سوري وأصغر متدرب في أجهزة المخابرات الغربية أن النظام سيلجأ إلى السبل ذاتها التي عرقل بها وصول المساعدات سابقاً. فهو سيرفض أولاً إدخالها إلا عبر المعابر الحدودية المسيطِر عليها بحجة أن قوانين الأمم المتحدة تنصّ على التعامل مع الحكومات ومراعاة سيادتها، ثم سيرشح المنظمات التابعة له لتتولى توزيع المساعدات، وسيجري انتقاء ما تعتبره المنظمة الدولية الأقل سوءاً من بينها، أخيراً ستُستهدف قوافل المساعدات ويعلن النظام أن الإرهابيين منعوا وصولها إلى المدنيين الذين يحاصرهم النظام. من بين كل تلك المناطق قد تنجو قريتان تابعتان للنظام تحاصرهما قوات المعارضة بسبب تمركز الشبيحة فيها، وإن لم يحدث هذا فسيسرّ النظام بوضعهما مقابل عشرات المناطق التي يحاصرها تحت شعار معلن هو “الجوع أو الركوع”.
احتفال الدول التي قدّمت مسودة القرار 2139 باستصداره أمر لا يعني السوريين حقاً، فالموافقة الروسية تعني عملياً عدم وجود قرار جاد. العلّة لم تكن يوماً في الموقف الروسي كما يشيع الغرب، بل هي تماماً في توسل الغرب تغييراً في الموقف الروسي يسمح بضغط دولي حقيقي على النظام. حتى ما أُشيع أخيراً عن نية أمريكية لتغيير سياسة الإدارة الحالية تجاه الملف السوري برّرها أصحابها بأنها في سبيل الضغط على الروس ودفعهم إلى القبول بالحل السياسي، أي أن الإدارة الأمريكية غير معنية بحل نهائي منفرد، وهذا بالطبع ينسحب على حلفائها الذي ستضغط عليهم للتماشي مع رؤيتها. ولا يُستبعد في هذه الحال أن يكون القبول الروسي بالقرار الجديد ضمن صفقة مع الإدارة الأمريكية، تتخلى الأخيرة بموجبها عن خططها الراهنة في دعم المعارضة، ثم تعود لاحقاً لتكتشف، كما في مرات سابقة، أن الروس لم يفوا بتعهداتهم، فتعود للتهديد بدعم المعارضة “المعتدلة”، وهكذا…
من هذه الجهة لا تقل إدارة أوباما مبدئية عن نظيرتها الروسية، فهي منذ حوالى سنتين وضعت تصوراتها عن الحل السياسي في سوريا، ولم تحِدْ قيد أنملة عنه، في الوقت الذي لم تبذل فيه أي جهد لبلورته على أرض الواقع. الرؤية الأمريكية للحل بدورها أشبه بسرير بروكست، فهي تريد تقليم الوضع السوري ليصبح مطابقاً للحل المرسوم؛ على المريض أن يصبح جاهزاً وملائماً لتلقي العلاج المقرر لا العكس. ورطة الإدارة الأمريكية هي في الضيق الشديد لـ “سريرها” على مطالب السوريين وعلى المقتضيات الإقليمية للصراع في سوريا، مثلما هي ورطتها كبيرة جداً في محاولة إخراج الدب الروسي من الثقب الضيق لمصالحه مع النظام.
عمر قدور ـ المدن

التعليقات