بغداد 31°C
دمشق 24°C
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020

إذا كان التفاهم حول أوكرانيا ممكناً فلمَ لا في سورية؟


syria

 

ربيع» أوكرانيا يجري مسرعاً نحو التسوية إذ لا مصلحة لأي من أطرافه المحلية والإقليمية، وكذلك للولايات المتحدة، بالسماح له بالتفاقم، رغم وجود إثنية روسية ضخمة في شرق البلاد. تقسيم أوكرانيا الذي يتحدث عنه أصحاب الخيال الواسع له أعباء اقتصادية ومالية هائلة على جميع المعنيين، وأولهم روسيا التي قالت قيادتها على لسان وزير خارجيتها لافروف إن أوكرانيا «يمكن أن تبقى ضمن الأسرة الأوروبية»… ولكن؟. هنا يبدأ العمل الجاد من أجل تحسين شروط التفاهم حول مستقبل أوكرانيا «الموحدة» بما يضمن مصالح كل الأطراف المعنية، مع أن التفاهم قد يتعثر بعض الشيء لأن الأمر ليس بسيطاً، سيما أن عنوان التفاوض يشمل المال والاقتصاد والعجز والتجارة والوقود، وليس النزعة القومية والرغبة في التوسع.

لمَ لا تكون الحالة الأوكرانية ممكنة في سورية، إذ إن تغيراً طفيفاً في بعض أحجار دومينو الصراع في سورية المحبوكة عقده بشبكة جهنمية من علاقات المصالح المتنوعة بين استراتيجي وتكتيكي، قد يضع حجر الأساس لمستقبل مزدهر مماثل لما هو متوقع لأوكرانيا.

حتى الآن تبدو خطة جون كيري الهادئة والمصنوعة ببراعة البنّاء المحترف في منطقة الشرق الأوسط مستقرة وواثقة. فتحسن علاقات إيران بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يسير بشكل جيد وصلب نحو هدفه. وإذا ما تم التوصل بالفعل إلى هذا الهدف فذلك سيساهم في وضع نهاية تدريجية لآلة القتل المتوحشة في سورية المدعومة بقوة بميليشيا «حزب الله»، ويجفف موارد الحياة أمام نظام بشار الأسد. وبطبيعة الحال، إذا كان هذا هو المسار المتوقع فإنه سينعكس إيجاباً بإضعاف يد موسكو القابضة على دمشق. والآن يتبدى المشهد أكثر إثارة بعد انفتاح مصر الجنرال عبد الفتاح السيسي على روسيا برضا دول الخليج الرئيسة، وزيارته الأخيرة إلى روسيا ولقائه مع رئيسها بوتين.

قد يقول بعضهم إن هذا مجرد أحلام. ربما، ولكن قد يكون العكس تماماً، سيّما عندما نلاحظ الحوار الإيجابي والمستمر بين مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا، وإيران. لقد انقضى الآن بسلام ونجاح أكثر من نصف مدة اتفاق الغرب بشأن النووي مع طهران والكيماوي مع دمشق. فقد بدأ الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة، الإعراب عن تململه جراء تلكؤ موسكو بالتزامها. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أول المعبرين عن ذلك بانتقاده مؤخراً سياسة روسيا «المتلكئة» في الشرق الأوسط. واتهم أوباما الروس بعدم الالتزام بالوعود التي قطعوها بشأن «التعاون مع الولايات المتحدة» للمساعدة في وقف الحرب الدامية والمستمرة في سورية منذ ثلاث سنوات.

ويترقب كثيرون جولة أوباما في المنطقة المتوقعة في آذار (مارس) الجاري ويأملون بأن تقدم لشعوبها الأمل والرؤى الإيجابية لمشاكلها المتعددة والمتنوعة، ووضع أسس لحل الأزمة في سورية واستعادة الاستقرار المفقود إلى دول المنطقة الأخرى. ولا شك في أن أي تسوية ممكنة يجب أن تهدف إلى تحقيق هدفين في غاية الأهمية: الأول، وضع حد فوري لعملية القتل المجنون غير المسبوق كماً ونوعاً. والثاني، وضع الأسس المحورية للبدء بمرحلة انتقالية وتشكيل حكومة متوازنة قوية في دمشق تحظى بدعم إقليمي واسع وصلب. ولا بد أن تكون المناقشة المرتقبة بين أوباما والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، حجر الزاوية الضرورية لنجاح مثل هذه السياسة.

وتفيد المعلومات المتوافرة بأن التأسيس لمثل هذه السياسة كانت قد بدأته واشنطن بالفعل مع ضفة الخليج الأخرى. والملاحظ في الحقيقة أن وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، في خطاب له أمام مؤتمر ميونيخ الدولي قبل أسابيع قليلة، تناول هذا الموضوع ببعض التفصيل. فقد ذكر أن إيران والسعودية «يجب أن لا تخشيا بعضهما بعضاً لأنهما تتشاركان في المصالح بالمحافظة على بيئة (سياسية) آمنة». وأوضح أن أياً من البلدين «لن يستفيد من الانقسام الطائفي ولن يستفيد أيضاً من سياسات التطرف والمتطرفين».

لا شك في أن كلاماً جميلاً كهذا يجب أن تترجمه طهران إلى أفعال. فمن الغريب أن يخاطب ظريف جيران إيران بهذا الود، عندما تقوم حكومة بلاده في الوقت نفسه بتسليح ودعم مقاتلي «حزب الله» وتدريب ميليشيا تابعة لحكومة المالكي العراقية وتوفد عناصرها للقتال في سورية إلى جانب نظام لا مستقبل له. لكن رغم ذلك، فجوهر خطاب ظريف دقيق وصحيح، إذا حسنت النيات، إذ لا مجال آخر للتسوية وإنهاء الحرب الوحشية في سورية إلا من خلال جهد إقليمي مستقبلي يكون عنوانه: التعاون والتنسيق. ومن المحتمل أن تفتح زيارة أوباما إلى المنطقة ومحادثاته مع العاهل السعودي الباب واسعاً لعملية من هذا النوع (هناك حديث في أوساط ديبلوماسية إقليمية وغربية يرجح عقد لقاء بين أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني في دولة الإمارات أو سلطنة عمان، لدعم هذا التوجه والتأسيس لشرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً لجميع شعوبه). وإذا كان لهذه التطورات أن تحدث فإنها يجب أن تعالج أولاً موضوع إخراج جميع العناصر الأجنبية المسلحة، بما في ذلك مقاتلو «حزب الله»، من سورية.

فترك سورية وحدها من دون رعاية إقليمية أمينة قد يؤدي إلى تمزيق أواصر البلد إلى مناطق عدة تلقي بثقلها الديموغرافي والإثني على دول الجوار، إذ إن بذور هذا المشهد بدأت بالتمكن في هذه المناطق، ما يشكل تهديداً مباشراً لدول الإقليم ومن هم أبعد من دول الإقليم. وقد أعرب عن هذا التصور المتشائم والمرعب التقرير السنوي الصادر عن وكالة المخابرات الوطنية الأميركية الذي قدمه مدير الوكالة جيمس كلابر إلى لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي. ولخص التقرير الحالة بوجود «كارثة إنسانية حقيقية بأبعاد بالغة الخطورة لن تنحصر بدول الجوار فحسب، بل ستصل إلى أوروبا وتلحق الضرر بالمصالح الأميركية».

 

مصطفى كركوتي ـ الحياة


التعليقات