بغداد 32°C
دمشق 24°C
السبت 19 سبتمبر 2020

رحيل النخب.. هل ينقذها من الجحيم؟؟…


 جواز

ليلى زين الدين

 “لم تعد البلد مكاناً جديراً بالعيش الآمن”، هذا التعبير وبأشكاله المختلفة هو ما يردده معظم المغادرون من سوريا، ولا يأتي مثل هذا الكلام فقط على لسان من تهدم بيته وحمل ما استطاع وهرب من الموت، إنما طال النخب الثقافية والسياسية والعلمية، ممن أنهكتهم صراع السنوات الثلاث، ولعل هذا أخطر ما في رحلة “اللا بلاد” التي اختارها ملايين السوريين.

غالبية الشباب السوري الأكاديمي لم يعد قادراً على تحمل البقاء صدفةً على قيد الحياة، في ظل الموت المستمر والاعتقالات التي لا يخرج منها إلا “كل طويل العمر”، فالطبيب أيهم غزول الذي استشهد تحت التعذيب في أقبية النظام، والسينمائي باسل شحادة أيضاً غدره الرصاص في حمص، ليسا مثالين يتيمين على حال الشباب السوري، الذين دفعوا مكرهين للاستسلام لفكرة الرحيل.

المنظمات الدولية لا سيما الأمم المتحدة منها، تتحدث عن ما يزيد عن عشرة ملايين لاجئ، منهم أربعة ملايين خارج الأراضي السورية موزعين على كل من تركيا ولبنان والأردن، وهناك ما يقارب 12 ألف لاجئ فقط “حسب أرقام منظمة العفو الدولية” وجدوا طريقهم للجوءٍ إنسانيٍ أو سياسي في الدول الأوروبية، وهو الرقم المتاح من قبل الدول الأوروبية العشرة التي أبدت استعداداً لتوطين لاجئين سوريين.

الأعداد القليلة التي فتحت لها الباب أوروبا للجوء إلى أراضيها، من المفترض أن تكون لمن هم أكثر حاجةً من غيرهم في ظل ظروف الحرب، لكن واقع الحال يشي بأن غالبية المستفيدين هم من النخب، الثقافية والسياسية.

اللجوء إلى الدول الأوروبية متاح أكثر للنخب التي تجد حداً مقبولاً من الرضى لدى الدول المضيفة، ومن ناحيةٍ ثانية فإنها أوفر حظاً من خلال امتلاكها للمعرفة بالوصول بيسرٍ وسهولة، الأمر الذي لا يمتلكه السواد الأعظم من الاجئين الذين اختار بعضهم خيم في دول الجوار، ولا نشيع سراً إن قلنا أن بعضهم الآخر وجد ضالته بالوصول إلى البر الأوروبي عبر التهريب، ودفع مبالغ طائلة تصل إلى “13 ألف دولار أمريكي”، في رحلةٍ توصف أنها “رحلة الموت”.

بمثالٍ بسيط وبالنظر إلى إجراءات تقديم طلبات اللجوء سواء عبر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو عبر السفارات بشكلٍ مباشر، نجد أن الآلية تحتم امتلاك طالب اللجوء قدراً من المعرفة والاطلاع تمكنه من إتمام المعاملات بالشكل المطلوب.

نزوح الأدمغة

وإذا اعترفنا بوجود انتقائية في اختيار اللاجئين، فلا نذم بذلك الأوروبيين، أصحاب النزعات الليبرالية، لكن هذا يضعنا أمام حقيقة أن ما كان يسمى بهجرة “الأدمغة السورية”، في زمن الاستقرار بسبب عدم حصولها على الحد الأدنى من التقدير، يمكننا أن نسميه اليوم “نزوح الأدمغة” الباحثة عن الحياة وليس فقط التقدير، لتبتلي سوريا من جديد بخسارة رأس المال البشري.

الكفاءات العلمية الباقية في البلاد والتي امتنعت عن اختيار اللجوء، لا تجد مكاناً لها تعتاش منه، في ظل الاصطفافات السياسية الحادة، فالنظام أراد لهذه البلاد أن تبقى مكاناً لعيش مريديه فقط، حسب ما يشير المهندس سليم، الذي طرد من عمله على إثر اعتقاله في عام 2012، مع أنه خرج دون التحويل إلى محكمة.

ويقول سليم “لا يمكنني تقبل فكرة اللجوء، أشعر فيها إهانة لإنسانيتي، وفي المقابل لا أجد عملاً في سوريا، منذ عامين، أعتاش على راتب زوجتي الصيدلانية التي تتعرض للتضييق من قبل مديرها في العمل بسبب شكوكه أنها معارضة للنظام، رغم أنها لا تصرح عن موقفها خشية أن تخسر عملها”، إلا أن سليم يعترف أن آخر خيار لديه هو الخروج من سوريا وطلب اللجوء إلى أحد الدول الأوروبية.

لا سبيل للبقاء

وإذا كان سليم يكابد من أجل البقاء، فهناك من اختار الرحيل إلى تركيا بدلاً من البقاء في سوريا، كجيهان التي خرجت وزوجها ولا تفكر في السفر إلى أوروبا ولا حتى في العودة إلى سوريا، فاتقانها للغتين الفرنسية والانكليزية فتح لها أبواب عملٍ واسعة، علاوةً عن التقدير والإنصاف الذي تقابل به، وهو ما لم تجده في سوريا يوماً بسبب نظام البعث الذي عمل على إفراغ البلاد من المثقفين وأصحاب الفكر، ونجح في ذلك، حسب ما تؤكد جيهان.

ليس فقط قلة التقدير هي التي دفعت بالمثقفين للخروج ومغادرة البلاد، فالتهديدات التي تعرضت لها سناء وزوجها في أحد المناطق الموالية دفعتهم لتقديم طلب  لجوءٍ إلى إحدى الدول الأوروبية، وتمت الموافقة عليه بعد شهرٍ واحدٍ من التقديم، وترجح سناء أن السبب هو معايير الدولة الأوروبية في الاختيار، والتي توافقت مع واقعنا، فأنا وزوجي اعتقلنا في ثمانينات القرن الماضي، وكنا نعمل في مجال الإغاثة، والدعم النفسي للأطفال النازحين، إلى جانب بعض الدراسات التي ننجزها بين الحين والآخر المتعلقة بالمواطنة والدولة المدنية.

وتضيف سناء التهديدات المباشرة التي كانت تأتينا عبر رسائل المحمول أو في الكتابة على باب البيت.. “جميعها تحمل تهديد لنا ولابننا الوحيد، كل ذلك جعلنا نعيش في ذعرٍ حقيقي، راسلنا إحدى السفارات الأوروبية التي بدورها حددت لنا موعداً للمقابلة، وبعد المقابلة بشهرٍ واحد اتصلوا بنا مؤكدين وصول التأشيرة”.

أما هل ستعود سناء وعائلاتها إلى البلاد؟، فتجيبنا أن “كل ما عاشته في السابق لا يعادل رعب ساعةٍ واحدة من الذي عشناه خلال الثلاث سنوات الماضية، وكان أشده الأشهر الخمسة الفائتة، كل ذلك يدفعني للقول الآن أنني أريد أن نعيش بهدوء حياةً كريمة، ولا أعتقد أن هذا الأمر سيكون متاحاً في سوريا ولا حتى في عشر سنواتٍ قادمة”.

لا تفكر سناء بالعودة إذاً، وليست وحدها من يستبعد فكرة الرجوع، فوليد أحد الشباب الذين استطاعوا الخروج وطلب اللجوء السياسي منذ العام الأول للثورة، بعد اعتقاله، يكمل دراسة الطب في إحدى الجامعات الأوروبية وينوي التخصص في مجال علم الوراثة، ويؤكد أنه في أوروبا أصبح قادراً على دراسة التخصص الذي يحب، ويطوره من خلال العمل، بعد التخرج، “لا أريد العودة رغم كل الحنين والألم، لكن بات مستقبلي هنا في هذه البلاد”، هكذا يقول وليد.

انحياز إنساني

الحياة الكريمة هي ما بات يبحث عنه السوريون اللاجئون، فالمواطن “ذو الدرجة العاشرة في بلاد اللجوء، أفضل من حال المواطن بالدرجة الأولى في سوريا” حسب ما تقول الصحفية هيام التي خرجت إلى لبنان وقدمت على طلب اللجوء إلى أوروبا، “ليس فقط الخوف من الموت والاعتقال أو الخطف على أهمية هذه الأسباب هي التي دفعتني للخروج، لكن الإحساس الدائم بالذل”، هناك مشاهد يومية لم يعد من الممكن تحملها، “كشبيح يتعرض لرجلٍ مسن لأنه جادله بضرورة التزام بالدور على الفرن، أو الوقوف ساعاتٍ على حاجزٍ يمتهن كرامات الناس بشكلٍ سافر دون أي رادعٍ أخلاقي، في حين هناك خط عسكري يمر عليه الموالون ممن يحملون البطاقات الأمنية وكأنهم أصحاب البلد، لا يمكن أن أحتمل مشهد اعتقال شابٍ من أمامي لأن هويته هي عربين في ريف دمشق، وهل سيقدر الإنسان على تحمل مشهد مئات المنتظرين ممن يتم تفتيش أغراض بيتهم قطعة قطعةً لأنهم هاربين من الموت في المليحة؟ المشاهد لا تنتهي، ولا أعتقد أنها ستنتهي، ولم أعد أمتلك القدرة على جلد الذات والعيش في هذه الظروف أكثر من ذلك”.

وهيام لا تجد ضيراً في البقاء والحياة على الأراضي اللبنانية رغم غلاء المعيشة وصعوبة الحياة، لكن يمكن أن تكون بديلاً إن لم تكن فرصة اللجوء إلى أوروبا متاحة، لكنها لا تفكر في العودة إلى سوريا.


التعليقات