بغداد 15°C
دمشق 11°C
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020

حزب الله في الحضن الدافئ لمدينة جرمانا والهدف أبعد من عسكري


حزب الله2

 ليلى زين الدين

لست الوحيدة التي لفت انتباهها الأصوات الخارجة من سيارة عابرة تسير ببطء في شوارع مدينة جرمانا، أصوات لها وقع غريب على مسمع مئات الأشخاص المنتظرين على أبواب الفران الآلي إنها  “لطميات الحسين”، يلتفت الجميع لمصدر الصوت، فتتوقف السيارة، يبدأ الهرج والمرج، أحدهم يهمس للآخر بأنهم “شبيحة المدينة”، لكن الآخر يشير له بأن يصمت ويهمس له “إنهم جماعة حزب الله وإيران”.

ليست هذه المشاهدات الحية هي الوحيدة التي تشي بحضور عناصر حزب الله وإيران في المدينة، فمن غير الصعب على السكان تمييزهم وهم يتجولون في سوق المدينة يشترون من المحلات ويسكنون بين المدنيين، في شقق أمنها لهم شبيحة المدينة كما يفيد أحد السكان (فضل عدم ذكر اسمه) مؤكداً أنه يشاهدهم وهم يدخلون ويخرجون من بناء مجاور لمنزله في إحدى تفرعات شارع الباسل القريب من طريق المطار.

 ويؤكد ابن المدينة ما يعرفه معظم “الشبيحة” بأن عناصر حزب الله يحتلون أسطح الأبنية التي تطل على طريق المطار، ويستخدمون بعض الشقق السكنية في تلك الأبنية لاستهداف وقنص مقاتلي المعارضة في بلدتي بيت سحم ويلدا المجاورتين، واللتين لا يفصلهما عن جرمانا سوى طريق المطار.

ويحمّل قسم كبير من السكان الأصليين للمدينة مسؤولية القذائف التي تسقط على مدينتهم، والتي قتلت نحو ٥00 مدني، إلى العمليات العسكرية التي يشنها حزب الله والنظام على البلدات المجاورة انطلاقاً من جرمانا، والتي تترافق بقصف جوي للطيران الحربي، ما يجعل الطرف الآخر(المعارضة المسلحة) مضطراً للرد على مصدر النيران بأسلحة بدائية من الصعب التحكم بدقة الأهداف التي قد تطالها.

أحد الردود المباشرة تمثلت في قذيفة هاون سقطت على أسطح أحد الأبنية السكنية، وحسب أحد الشهود على الحادثة فإن ارتباك اللجان الشعبية بدى واضحاً وبدأت أجهزة اللاسلكي بالعمل، وبسرعةٍ تذهب سيارة لمكان القذيفة وتنقل المصاب إلى أقرب مشفى الذي تم إغلاق كافة الطرق المؤدية إليه ليتبين لاحقاً أن القناص المستهدف هو من “الأصدقاء” حسب وصف الشبيحة أي أنه من حزب الله.

وفي مشهدٍ آخر يتحدث أحد عناصر اللجان الشعبية المسؤولة عن حاجزٍ في داخل المدينة، إلى أحد  الناشطين عن خلافٍ نشأ بينه وبين “حجي من حزب الله”، بسبب تناوله “الجعة”.

وإذا كان عناصر حزب الله ينتشرون على الأسطح فهناك داخل “مقر الدفاع الوطني” حسبما يؤكد أحد المقربين من اللجان الشعبية في المدينة عنصر قيادي تابع للحرس الثوري الإيراني، يتم من خلاله إرسال عناصر الدفاع الوطني لإيران لاتباع دوراتٍ تتفاوت مدتها الزمنية، حيث انخرط العديد من “شبيحة المدينة” في هذه الدورات.

وبالعودة إلى القذائف التي جرها الوجود العسكري لموالين على المدينة فإن المقاتلين في الغوطة الشرقية المجاورة لجرمانا، ورغم تعرض بلداتهم المستمر لنيران قوات النظام وحزب الله والمليشيات الشيعية التي تقاتل مع النظام، انطلاقاً من محيط جرمانا، ورغم الحصار المفروض عليهم منذ نحو سنة وثلاثة أشهر، فإنهم نفوا في أكثر من بيان أن يكونوا وراء تلك القذائف مؤكدين بأن النظام، وبالتحديد كتيبة الدفاع الجوي المرابطة بين جرمانا والمليحة هي مصدر تلك القذائف.

 والهدف برأيهم هو توتير الأجواء بين الأقليات التي تسكن جرمانا وبين محيطها، والادعاء بأن هذا المحيط يشكل خطراُ وتهديداً وأن الحامي والمخلص هو النظام، وهذا ما ذهب اليه حسام ديب ابن السويداء الذي يقود كتيبة سلطان الأطرش في الغوطة الشرقية، في تفسيره لخطة النظام، ما يعطي كلامه مصداقية أكبر، كونه يتكلم عن مدينة نصف سكانها قادمون من السويداء، وينتمون إلى طائفته “الدرزية”.

وبين رواية النظام وما يعتقده السكان، يصدر المعارضون في جرمانا بين الحين والآخر بيانات إدانة للقذائف التي تطال المدنيين في مدينتهم ويحملون مسؤوليتها للنظام، فهو “مصدر كل عنف”، وبرأي ناشط من المدينة (فضل عدم ذكر اسمه) أنهم يفضلون استخدام تعبير “قذائف مجهولة المصدر” بغياب القدرة على تحديد مصدرها بالأدلة الدامغة، خاصة مع وجود بعض الكتائب كما (أبابيل حوران) التي تبنت في وقت سابق استهداف ما اسمته “أوكار الشبيحة” في جرمانا.

وليس سراً بأن وجود حزب الله في سوريا بعد تراجع أعداد قوات النظام، وضعف الموثوقية بمقاتليه، يعتبر أمراً حيوياً وحاسماً عسكرياً في قدرة النظام على الاستمرار، بل في إنجاز بعض التقدم لصالحه كما في معركة (القصير)، وذلك رغم الخسائر التي تكبدها.

ووجوده لم يعد سراً، فالأمين العام للحزب حسن نصر الله أقر في وقت سابق بأن مقاتليه موجودين في سوريا، لكنه ادعى أن وجودهم “لحماية المقامات المقدسة”، وبأنه مستمر طالما الأسباب التي استدعت وجودهم قائمة.

ولكن يبقى العدد الحقيقي لمقاتلي حزب الله موضع تكتم، حيث تذهب تقديرات أوساط المعارضة، كما مشيل كيلو في تصريح سابق لوكالة (أكي) إلى وجود 26 ألف مقاتل، أي ما يعادل نحو 85% من قوات النخبة لهذه الميليشيات اللبنانية، بينما قدر وزير الخارجية الفرنسي  لوران فابيوس العدد بين 3 و5 آلاف مقاتل، مشيراً إلى أن النظام السوري يتلقى تعزيزات متواصلة من قبل إيران وحزب الله وروسيا بهدف ترجيح كفته في الصراع مع قوات المعارضة.

يتفق جميع المراقبين وحتى طرفي الصراع على أن وجود حزب الله شكل سند قوي وحاسم للنظام عسكرياً، ويضيف معارض من مدينة جرمانا، بأن جود الحزب في سوريا وإن كان دوره العسكري يقع في المرتبة الأولى، ولكنه في مناطق الأقليات كما جرمانا والمزة 8٦ يأخذ بعداً سياسياً واستراتيجياً، فالحزب واثق هناك من  عدم تعرضه لخطر، وهو زيادة على دوره العسكري، يساهم بحرف الصراع وجره الى الحقل الطائفي.

ويذهب المعارض الذي فضل عدم كشف اسمه بأن وجود الحزب في تلك المناطق بالتعاون مع الشبيحة سيشكل جيوباً للارتداد على أي تقدم محتمل لقوات المعارضة باتجاه العاصمة دمشق، أي أنه يفكر بالثورة المضادة انطلاقاً من هذه المناطق “الحاضنة” في حال سقط النظام لسبب أو آخر.


التعليقات