بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

جزية على المسيحيين.. حدث ذلك في رقة داعش


 مسيحي الرقة

رامز أنطاكي

ظهر مؤخراً عبر صفحات الإنترنت “بيان” صادر عن الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، عنوانه يدل على مضمونه: “نص عهد الأمان الذي أعطته الدولة الإسلامية لنصارى الرقة مقابل التزامهم بأحكام الذمة”. بعد أن يبدأ البيان-العهد بالبسملة فالعنوان ثم يورد آية قرآنية من سورة التوبة، والشهادتين على نحو مطوّل، يورد مجدداً آية قرآنية من سورة النساء يقصد منها نفيّ صفة الألوهة عن المسيح، بعدها يدخل في المضمون الفعلي للبيان فيقول أن “عبد الله أبو بكر البغدادي أمير المؤمنين” منح نصارى الرقة أمان يفصل وصفه، مقابل شروط يعددها موزعاً إياها على 12 بنداً، لينتقل أخيراً إلى النتيجة المترتبة على المسيحيين “إن هم وفوا” و”إن هم خالفوا”، والبيان مذيل بختم “داعش” وتواقيع مطموسة الاسماء، تقارب العشرة عدداً على رأسهم من ينوب “عن أمير المؤمنين”، ومؤرخة بـ “22 ربيع الثاني 1435ه”،  أي يوم السبت 22 شباط 2014.

شاعت قصة البيان بين المعنيين والمهتمين، وتناقلته وسائل الإعلام على نحو مجتزأ في الكثير من الأحيان، بصيغة أن المسلمين، أو “داعش”، فرضت الجزية على مسيحيي الرقة، وهذا صحيح لكنه يشكل جزء فقط من ما يورده البيان. عملياً لم يتمكن أحد من تأكيد مضمون البيان، والجزم بأن عهداً كهذا قد حصل فعلاً على أرض الواقع، فكل المعلومات المتوفرة حول الموضوع يمكن التشكيك في صحتها وأصالتها، فلا السياسة الإعلامية لتنظيم “داعش” واضحة وشفافة، ولا صدر رد فعل رسمي من مرجع مسيحيٍ معني حتى الآن.

 أحد الأشخاص (أ. ن.) الذي يمكن لنا وصفه بواحد من المرجعيات لدى المسيحيين في الرقة وجوراها خلال السنوات الماضية، طلب الإستعاضة عن ذكر اسمه بالأحرف الأولى، نفى حصول عهد كهذا لسبب بسيط: “لا يمكن أن يكون الكلام عن فرض الجزية صحيحاً، والبيان مزور أو غير صحيح، لأن عدد المسيحيين الذين بقوا في الرقة حتى الآن ضئيل جداً، لدرجة يمكننا معها الحديث عن إنعدام الوجود المسيحي هناك”، في الحقيقة مصادر مسيحية متعددة أكدت لنا المعلومة ذاتها متحدثة عن هجرة مسيحية واسعة وشبه كاملة من الرقة وجوارها، مع بدء الأحداث الأمنية فيها، هجرة وصلت حدها الأعلى مع سيطرة تنظيم “داعش” على منطقة الرقة.

ما أثار الشكوك مجدداً حول الموضوع، واعتبر بشكل من الأشكال تأكيداً على صحة حصول هذا العهد على أرض الواقع، هو صدور بيان عن جين ساكي، المتحدثة الرسمية بإسم وزارة الخارجية الأميركية، نشر باللغة العربية على صفحة السفارة الأميركية في دمشق على فيسبوك. هذا البيان استنكر إجبار “داعش” المسيحيين في الرقة على “اعتناق الاسلام أو البقاء على المسيحية ودفع الجزية او التعرض للقتل”، معتبراً أن التنظيم “يحارب لا لشيئ سوى فرض صنفه الخاص من الاستبداد”، وتابع البيان ليوصف كيف أن القمع الوحشي لنظام الأسد طال المسيحيين السوريين أيضاً “من مصلين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين سلميين مثل اكرم البني ورئيس المنظمة الديمقراطية الآشورية جابرييل موشيه…”، ثم ختم البيان بذكر التاريخ الطويل للشعب السوري في التعايش السلمي وأن النظام السوري و”داعش” يؤججان الفتنة الطائفية.

 جوزيف ب. أحد المسيحيين السوريين، ممن يقيمون متنقلين بين مدينتي حلب وبيروت، في حالةٍ صارت مألوفة، كان له وجهة نظر ملفتة: “كمسيحي سوري، أعتقد أن ما حصل بين المسيحيين في الرقة وداعش هو أمر جيد وإيجابي بطريقة ما، لا أقصد أبداً أنني أوافق التنظيم المذكور من حيث ما فعله، أو من حيث وجوده ودوره ككل أصلاً، إنما من خلال معرفتي بما يجري مع أقربائي في قرية من القرى المسيحية في أحد المناطق السورية حيث السيطرة العسكرية لأحد التنظيمات الإسلامية المتطرفة، أقربائي هؤلاء الذي رفضوا ترك بيوتهم وأملاكهم وأراضيهم يعيشون خوفاً يومياً حقيقياً، جراء عدم وضوح وضعهم بنظر التنظيم المسيطر في المنطقة، إذ تم رفض بحث وضعهم كمسيحيين يقيمون في منطقة صارت بشكل من الأشكال إمارة إسلامية… لو عقد معهم عهد يشبه ما يحكى عن حدوثه بين داعش ومسيحيي الرقة، لاعتبرته أنا وأقربائي تقدماً إيجابياً، إذ يشكل أرضية توضح ما هو مطلوب من المسيحيين من واجبات عليهم الإلتزام بها ليستفيدوا من الحقوق التي تصبح لهم… مع عهد مشابه إن تم الإلتزام به يمكن للمسيحي رغم وضعه الذي سيصبح ذمياً كما يقولون، ويعامل وكأنه ليس ابن هذه الأرض، إلا أنه سيكون مطمئن إلى حفظ حياته وأملاكه وحد أدنى من حقوقه، وهذه نعمة لن أرفضها في ظل الجحيم السائد حالياً”.

 ج. م. مواطن سوري مسيحي آخر علق ساخراً على قيمة الجزية: “بقيت الجزية كسيف معلق فوق أعناقنا طوال شهور وربما سنوات، وها هي الآن تطبق من قبل المتطرفين الذي حددوا قيمتها حسب العهد المعقود بـ 14 غراماً من الذهب الصافي سنوياً يدفعها الأغنياء ويدفع أقل منها من هو أفقر حالاً… أي إذا اعتبرنا أن الذهب المقصود هو من عيار 24، يكون المبلغ المترتب على الذكر البالغ الغني سنوياً أقل من 90000 ليرة سورية، أي 600 دولار أميركي تقريباً، ويستطيع أيضاً أن يدفعها على دفعتين… لم يعاملنا النظام يوماً كمواطنين لنتوقع من المتطرفين أن يعاملونا كذلك… كنا بسذاجة نخاف الجزية فتبين أنها –بالمعنى الضريبي- مضحكة”.

 هناك أيضاً موقف ملفت صدر عن الإسلامي المتشدد عمر محمود عثمان المعروف بـــ أبو قتادة (الذي يحاكم حالياً في الأردن بتهم إرهاب بعد ترحيله إليه من بريطانيا)، الذي انتقد تصرف “داعش” في فرض الجزية على المسيحيين معتبراً أن أفكار التنظيم “منحرفة وفيها غلو”، موضحاً أنه ليس من حق “داعش” التصرف بهذه الطريقة إذ إن “الجزية عقد والمجاهدون لا يستطيعون حماية اعراض المسيحيين لأنهم غير متمكنين فهم في حالة قتال” وأن “الدولة تستخدم العبارات الشرعية في غير موضعها كما هو حال أهل البدع”. إذن أبو قتادة لا يعارض فرض الجزية كمبدأ، إنما يرى أن الطرف والزمن غير ملائمين لذلك، ويشبه “داعش” بأهل البدع، مما يمكن تفسيره أنه محاولة منه لتكفير هذا التنظيم.

يبقى أمر البت في حقيقة حصول هذا العهد بين “داعش” ومسيحيي الرقة، خاصة مع الميل إلى نفي وجود حالي فعلي للمسيحيين في الرقة، أمراً صعباً. لكن على كل حال، إن حصل العهد أو لم يحصل، يمكن القول أنه خطوة كبيرة إلى الخلف، خطوة تحرف مسار الثورة التي نادت يوماً بدولة مواطنة مدنية ديموقراطية، تحفظ الحرية والكرامة، فيصبح المواطن غير المسلم مسروراً بالتقدم الحاصل جراء إعتباره ذمياً، أو على حسب تعبير أحدهم “مواطن من الدرجة الثانية”.

 في المحصلة، ربما تؤكد الأيام حقيقة حصول العهد موضوع التحقيق أو تدحضها، يبقى الأمر في الحالتين سلبياً، سواء أكان طبّق فعلاً أم طرح كفكرة فقط، ربما من باب جس النبض. والرأيين الواردين أعلاه، أي رأي المواطن السوري المسيحي جوزيف ب.، ورأي أبو قتادة، يجسدان حجم المأساة التي وصل إليها المجتمع السوري نتيجة القمع الذي يمارسه النظام، وسيطرة فوضى السلاح، وتمدد الإسلاميين… وربما يكون أكثر ما يؤسف هنا –بغض النظر عن دور النظام فيه- هو أن “نبؤة” نظام الأسد، وطرح نفسه كحامي للأقليات، صارت تبدو يوماً بعد يوم صحيحة ومصيبة بنظر قسم لا يستهان به من هذه الأقليات.


التعليقات