بغداد 32°C
دمشق 22°C
الجمعة 25 سبتمبر 2020

ما هو الإرهاب الذي ترصده عين النظام الساهرة؟


4

بشّار يوسف

بثّت قناة الفضائية السورية التابعة للنظام في الخامس من الشهر الحالي، ضمن برنامج يدعى العين الساهرة، اعترافات لثلاثة أشخاص تمّ وصفهم بـ”الإرهابيين”، وقد ضمّتهم مقدَّمة البرنامج مع “المحرِّضين على الإرهاب والتكفيريين والمضلّلين والمسلّحين”، وذلك في إطار جهود قوى الأمن في “مكافحة الإرهاب والتصدي للمؤامرة التي تتعرّض لها سوريا”، مشدّدة في سياق حديثها على أنّ “مقصلة التاريخ لن ترحم واحداً منهم”.

بعد تسجيل الحلقة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، تم تداولها بشكل مكثّف بين الناشطين السوريين، إذ أن “الإرهابيين” الثلاثة هم ناشطون بشكل أو بآخر في المجالين الإغاثي والإعلامي، فضلاً عن ذكر أسماء لناشطين آخرين في سياق الاعترافات.

من هم هؤلاء الإرهابيون ؟!

تظهر مريم حايد في أول الحلقة، كأول إرهابية تدلي باعترافاتها، دون أن ينجح القائمون على البرنامج في إخفاء آثار الضرب عن وجهها، وتبدو حايد متوترة وتجد صعوبة نسبية في تذكر ما تم تلقينه لها، وتشير حركاتها وطريقة تحريك يديها إلى ذلك بشكل واضح.

1

 

مريم طالبة في جامعة دمشق من طلاب السنة الخامسة في كلية التربية، وتؤكد جميع المصادر المقرّبة منها، بالإضافة إلى كل الذين وردت أسماؤهم في الاعترافات، على أنها لم تقم بأي نشاط ثوري قط طوال السنوات الثلاث التي أوشكت أن تنقضي على انطلاق الثورة السورية، وجلّ عملها كان يقتصر على أداء وظيفتها في منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، وهي منظمة مرخص للعمل لها من قبل الحكومة السورية حتى الآن.

أما القسم الأطول من الحلقة فكان مخصصاً لشيار خليل، الطالب في كلية الإعلام، والموظف في موقع esyria الالكتروني التابع للجمعية السورية للمعلوماتية، وهي مؤسسة حكومية، وأوضح شيار من خلال حديثه أنه كان يتقاضى راتباً يبلغ 30 ألف ليرة في عمله، وهو ما يعادل أكثر من 600 دولاراً أمريكياً وفق سعر الصرف آنذاك، أي أنه ليس من السهل إغراؤه بمبلغ 150 دولاراً كما جاء في سياق الاعترافات.

عمل شيار في المجال الإعلامي كمراسل لقناة sky news، وهذا هو الجرم الوحيد الذي ارتكبه إذ أن النظام السوري لا يسمح لأية محطة إخبارية بتغطية الأحداث في سوريا إلا تحت سلطته ووفقاً لشروط إعلامه، ويبدو جلياً أن هذا الإرهابي لا يمتلك من الأسلحة سوى كاميرات تصوير وحواسب محمولة وقرصاً صلباً لتخزين البيانات.

أما ثالث الإرهابيين فكان حازم واكد، حاصل على إجازة في الفنون الجميلة، وليس له أي نشاط ثوري يذكر. لم يطل حديثه لأكثر من دقيقة بدا فيها مرهقاً، فضلاً عن مواجهته لصعوبة بالغة في تذكر الاعترافات التي يجب أن يدلي بها.

الجدير بالملاحظة أن معظم حديث واكد كان بالعربية الفصحى! وهو ما قد يليق بإرهابي تكفيري، ولكنه لا يليق بمن تم ضبط 20 غراماً من مادة الحشيش معه، والتي كانت ثمن “التعاطي مع جهات خارجية لدعم الإرهاب في سوريا.”

التناقضات في السيناريو المطروح

من أبرز التناقضات التي تظهر فيما تم عرضه على القناة المذكورة هو إقرار المعتقلين الثلاثة بأنه تمت مداهمة أحد المكاتب الإعلامية في الغوطة الشرقية وهناك تم التحفظ على “أدوات الإرهاب” الخاصة بهم من معدات تصوير وحواسب ولافتات. لكن، ومن خلال اعترافات شيار خليل مثلاً يتم التأكيد على أن منطقة الغوطة الشرقية تخضع تحت سيطرة كتائب المعارضة، وهي لا تزال كذلك حتى يومنا هذا. إلا أن الغريب في الأمر أن الضابط الذي يتحدث في نهاية الحلقة دون أن يظهر وجهه يشير إلى شقة تمت مداهمتها خلافاً للاعترافات، وهو بالفعل ما حدث، إذ تمت مداهمة شقة في مشروع دمر بحثاً عن ميساء صالح، وهو السبب الوحيد الذي اعتقل من أجله كل من مريم وحازم حيث صدف تواجدهم هناك.

2

يقول الضابط في معرض حديثه إن التحقيقات بيّنت أن المعتقلين مرتبطون بناشطين آخرين بعضهم يتواجد خارج البلاد، والمقصود هنا كل من بشار فرحات وأحمد زغلول وميساء صالح وزيدون الزعبي.

ما يجب التنويه له هنا أن هذه التحقيقات، إن حصلت بغير طرق التعذيب التي باتت معروفة وموثقة لدى معظم المنظمات الحقوقية، فهي وهمية بالتأكيد ونتائجها ملفقة، إذ أن كل من بشار وأحمد وميساء قد تم اعتقالهم بصحبة شيار خليل خلال شهر نيسان من العام الماضي من أحد مقاهي العاصمة دمشق، ليتم إطلاق سراهم لاحقاً والاحتفاظ بشيار خليل حتى الآن، حيث تم تحويله إلى سجن عدرا ليعاد ترحيله إلى فرع الأمن الجنائي لتسجيل هذا البرنامج عقب اعتقال كل من حايد وواكد في العاشر من شهر كانون الثاني الماضي عند مداهمة بيت ميساء صالح في منطقة مشروع دمر، والتي كانت قد غادرت دمشق حينها.

والسؤال هنا: كيف تم إطلاق سراح بعض “الإرهابيين” المتورطين وفقاً للتحقيقات دون أن ننسى أن هذه كانت المرة الثانية التي يتم فيها اعتقالهما، وكذلك الأمر بالنسبة لزيدون الزعبي، والذي كانت تهمته العمل في المجال الإغاثي والتعامل مع “القنوات المغرضة” والمقصود هنا قناة CNN الأمريكية، علماً أنه عضو سابق في هيئة التنسيق الوطنية في سوريا وأستاذ جامعيّ.

وكعادتهم  يقع معدو البرامج في إعلام النظام في الأخطاء، فالعديد من أقوال المعتقلين تدل بقوة على أنها اعترافات تحت التهديد أو التعذيب، فحديث شيار خليل عن وجود كتائب للمعارضة في حلب في حين أنهم بالعشرات في ريف دمشق غير صحيح تماماً في الفترة التي سبقت اعتقاله، كمان أن الحديث عن مطار تسيطر عليه المعارضة وقتلى في صفوف قوات النظام ومظاهرات بالآلاف في الخلفية –وإن تم تغيير تواريخها بقصاصة ورق كما يدعون- هي أمور مرت من بين السطور، والخطأ الأبرز كان اعتراف “الإرهابي” شيار بأنهم لا يريدون الإسلاميين وخاصة الأجانب منهم، واعتراف “الإرهابية” مريم بأنهم كانوا يطالبون بإطلاق سراح المعتقلات الذين يموتون جوعاً في سجون النظام.

ردود أفعال المعنيين بالاعترافات

في إطار هذه الأحداث المفترضة تمّ الزج بعدة أسماء أخرى ليبدو الأمر وكأن كل من ذكر اسمه هو عضو في هذه “الخلية الإرهابية”، ومن أبرزهم سيلفا كورية وميساء صالح وزيدون الزعبي وأحمد زغلول وبشار فرحات، فضلاً عن الأسماء الأولى أو ألقاب لأشخاص آخرين.

عقب بث الحلقة كتبت الإعلامية سيلفا كورية على صفحتها الشخصية في موقع فيسبوك موضحةً بعض النقاط التي وردت في الحلقة: “لم أغادر البلد خلال الأشهر الستة الأولى للأزمة بل غادرتها قبل الثورة وتحديداً بتاريخ 24 آب 2010.. حين تركت البلد لم أكن أعمل في موقع esyria بل كنت مراسلة لقناة الشرقية العراقية.. عملت في قناة الأورينت مرتين الأولى داخل البلاد في مكتب حلب عام 2009 قبل عشرة أيام من إغلاقه وشحط موظفيه للأمن.. والمرة الثانية بعد مغادرتي في آب 2010 وبقيت أعمل فيها لمدة 3 سنوات و4 أشهر واستقلت آسفة قبل مدة لاضطراري للإقامة في بلد آخر لأسباب عائلية.. الحرية لشيار خليل الذي لم أعمل معه مطلقاً ولم أكن على تواصل معه لسوء حظي..”

من جهتهم، أصدر كل من ميساء صالح وزيدون الزعبي وبشار فرحات وأحمد زغلول بياناً أكدوا فيه على أن هذه الاعترافات “تم انتزاعها تحت التعذيب”، وأوضحوا فيه أن مريم حايد وحازم واكد لا علاقة لهما بالحراك الثوري بأي شكل من الأشكال وأن كل ما ورد على لسان شيار خليل “لا يمت للحقيقة بصلة باستثناء محاولة تشكيل تجمع سياسي سلمي تحت اسم تجمع سوريا للجميع إيماناً بكل ما يتضمنه هذا الاسم من معان.” وأضافوا أن مهران عيون هو “ناشط سلمي وعلماني ومن أعلى الأصوات في وجه الطائفية.. فكيف يكون تكفيرياً!” وأشار البيان إلى أن “الآنسة سمر صالح شقيقة ميسا صالح مختطفة لدى داعش فكيف تُتهم ميسا بالتعامل مع من يعتقل شقيقتها؟” فضلاً عن أن مكتب ممثل الأمم المتحدة في سوريا قد تدخل لإخراج عدد من المذكورين في الفيديو أكثر من مرة، “فهل تتدخل الأمم المتحدة لإخراج إرهابيين؟!”

أسباب مجهولة وارتباطات وهمية

في سؤال عن صلة الوصل أو “التركيبة” التي جمعت بين المعتقلين الثلاثة ومن وردت أسماؤهم في الاعترافات وميشيل كيلو ومحطتي أورينت وسكاي نيوز أوضح أحمد زغلول أنه لا يظن أن لأي منهم صلة مباشرة بكيلو والأمر يبدو “كأنه قد لُفِّق لزجّ اسمه هنا لكني لا أعرف ما الغاية من ذلك.”

أما بالنسبة للمحطتين فقد سبق وتم التوضيح أن شيار خليل عمل مع سكاي نيوز لفترة وميساء صالح قد تعاملت مع أورينت فيما عملت سيلفا كورية للأورينت لفترة طويلة نسبياً. فيما أوضح الزعبي، أن هذا السؤال يحيّره منذ شاهد الحلقة، وأكد على أنه لا يعرف العلاقة التي تربط بين هذه الأسماء أو ربما تكون “محض صدفة.” ولعل ارتباط ميشيل كيلو بكل هؤلاء اقتصر، وفقاً للمعلومات التي تمكنا من الوصول إليها، على أنه طلب من زيدون الزعبي قبل اعتقاله للمرة الثانية أن ينضم إلى تجمع سياسي معين دون أن يوافق الأخير على ذلك.

يظن كل من فرحات وزغلول أن هذه الحلقة لا تشكل تهديداً عليهما على الرغم من تواجدهما في بلد يتحكم بقطاعات كبيرة منه حلفاء للنظام السوري، وبدوا شبه متأكدين أن رسائل التهديد المبطنة كانت موجهة للناشطين المدنيين الذين لا زالوا متواجدين في سوريا، والذين ربما تم حذف أسمائهم من الاعترافات عند مونتاج الحلقة بهدف عدم كشف الأسماء التي ستتم ملاحقتها، أو لتحذير أي ناشط من القيام بأي تحرّك مع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة لانطلاق الثورة السورية” وفقاً لفرحات.

وأوضح زغلول إن هذه الحلقة تأتي في سياق “حملة متكاملة بدأت منذ بداية الثورة لتشويه سمعة الناشطين و ربطهم بأجندات خارجية.”

قلق حول مصير المعتقلين

ناشد الناشطون في بيانهم المذكور سابقاً منظمات حقوق الإنسان ووكالات الإعلام التدخل للإفراج الفوري عن كلٍ من حازم واكد ومريم حايد وشيار خليل ومهران عيون وحملوا السلطات السورية كامل المسؤولية عن أي أذى لحق أو قد يلحق بهم، وبشكل خاص مهران عيون الذي لم يظهر في الحلقة وهو ما أثار المخاوف من إمكانية تعرضه للأذى أو ربما التصفية، لا سيما وأنه قد تم وصفه بأنه سلفي متشدد يسعى إلى الخلافة الإسلامية، علماً أنه وفقاً لشهادات عدد من الناشطين أنه شخص علماني شارك في الأنشطة المدنية والسلمية فقط، لا سيما وأنه قد تم توثيق آلاف حالات القتل تحت التعذيب وعشرات آلاف المفقودين خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وفي هذا السياق أوضح الزعبي أن استهداف الناشطين والإعلاميين والسياسيين لا يتوقف عند جهة أو تهمة معينة، بل إن “أي خط وطني سلمي ضد الطائفية هو خطر شديد على النظام.”

وكلام الزعبي السابق لا يحتاج إلى تأكيد، فهؤلاء “الإرهابيون” الذين تم عرض اعترافاتهم والأدلة التي بحوزتهم لا تتجاوز تهمهم إلا كل ما هو مرتبط بالعمل الإعلامي والإغاثي، وبعضهم شارك في المظاهرات والأنشطة السلمية التي تطالب بالمساواة ودولة القانون ونبذ الطائفية والتكفيريين، وهي تهم كفيلة بأن تجعل قوات النظام تنشغل بملاحقتك وتصفيتك لمدة ثلاث سنوات في حين تبقى المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” خالية من أية عمليات أمنية أو عسكرية.

الشرطة في خدمة الشعب

لا شك أن أي متابع لوسائل الإعلام التابعة للنظام أو المقربة منه يدرك تماماً مدى “الوقاحة” التي قد تصل إليها بدءاً من إنكار وجود ثورة منذ اليوم الأول مروراً بصناعة الانتصارات والتفجيرات وصولاً إلى الاعترافات التي يواظبون على بثها. ولا بد لنا هنا من التذكير بالتقرير المصور الذي عرضته قناة الدنيا العام الفائت والذي يُظهر فتاةً تعرضت للاختطاف والاغتصاب من قبل شبان من مدينة حرستا في ريف دمشق الشرقي، ثم بثت اعترافات معتقل من حرستا للإقرار بالحادثة.

3

ليوضح المذيع بعدها أن المتظاهرين بعد انتهاء المظاهرة يتحولون إلى التخريب والاغتصاب والقتل. وتبين لاحقاً من خلال فيديو تم تسريبه من منشقين عن القناة أن الفتاة لم تختطف وهي تمثل وتقول ما كتب لها مسبقاً، والشاب هو أحد ضحايا هذا الإعلام الذي يمتلك تاريخاً جيداً مع برنامج “الشرطة في خدمة الشعب” والذي يتذكره السوريون جيداً ويتذكرون كيف تنتهي كل حلقة بجملة “ندمان يا سيدي.”


التعليقات