بغداد 32°C
دمشق 27°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

ما يبقى من باتريك سيل؟


سيل

تعلّم جيل كامل من السوريين، وبينهم كاتب هذه السطور، عن بلاده من باتريك سيل في كتابه “الصراع على سوريا”، المنشور عام 1965. الكتاب كان من أوائل الكتب التي نشرت عن سوريا واعتبر من الكلاسيكيات الأدبية التي نشرت عن سوريا بين عامي 1945 و1958، سنة الوحدة بين سوريا ومصر. وقد تحدّث سيل بلغة تحليلية محايدة عن تلك المرحلة المتأجّجة من تاريخ سوريا، مركّزاً على الصراع بين محاور متعدّدة في المنطقة كانت تريد أن تأخذ سوريا باتجاه إما حلف بغداد أو المحور المصري- السعودي. وبيّن الرجل دور شخصيات وطنية سورية لعبت دوراً في حماية استقلال البلاد مثل خالد العظم وفارس الخوري.

 ولكن الرجل لا يعرّف اليوم من خلال كتابه الرئيس ذاك، بل أكثر من خلال كتابه الآخر “أسد سوريا: الصراع على الشرق الأوسط” المنشور عام 1988 وبسلسلة من المقالات التي كان ينشرها في “الحياة” و”الغارديان” وغيرهما، وكان فيها مدافعاً عن سياسة الرئيس حافظ الأسد وابنه من بعده، وعمل بدأب يُحسب له على تلميع صورة الرجلين. يتّفق معظم نقّاد سيل على أن الكتاب الثاني لا يتمتّع بنفس الحيادية التي وُصِف بها كتابه الأول، ولا بمثل الموضوعية.
ولد سيل في بلفاست بإرلندا الشمالية، وأمضى طفولته ومراهقته في سوريا، برفقة أبيه الذي كان عضواً في إحدى البعثات التبشيرية في سوريا. وسرعان ما فُتِن الفتى بسوريا، فعاد إليها مراراً وتزوّج بسيدة سورية مرموقة هي رنا القباني، التي انفصلت لاحقاً عنه، وانتقدت أكثر من مرّة مواقفه السياسية تجاه سوريا.
ومن المؤكّد أنّ سيل كان مقرّباً من الرئيس حافظ الأسد ومن أسرته عموماً. ويعتبَر كتابه نوعاً من المذكرات الشخصية غير الرسمية للأسد الأب. ومن المؤكّد أيضاً أن الرجل استطاع أن يقابل الأسد الأب ويعيش مع عائلته شهوراً طويلة أثناء تأليفه للكتاب، وهو ما لم يحصل عليه أيّ باحث أو صحافي آخر. وكانت النتيجة رسم صورة إيجابية للديكتاتور الذي أباد نحو خمسين ألفاً من مواطنيه، واعتقل وعذّب وأخفى قسرياً مئات الألوف من دون محاكمة ولا ذنب.
ولكن القصّة لا تتوقف عند الكتاب المخصّص للأب، فسيل، من خلال مقالاته ومحاضراته كرّس جزءاً كبيراً من وقته للدفاع عن الأسد الإبن. وهو تشارك مع مواطنه الصحافي روبرت فيسك والأكاديمي الأمريكي جوشوا لانديس تقديمَ خدمات للرئيس بشار الأسد ونظام حكمه الذي قتل حتى اليوم أكثر من 150 ألف شخص واعتقل أضعافهم وشرّد أربعة ملايين من السوريين خارج أوطانهم وبيوتهم، ودمّر البنية التحتية والاقتصاد والبنية المجتمعية والأخلاقية لسوريا.
ويتقاسم سيل والرئيس الأسد العداء للمعارضة السورية التي تسعى إلى مرحلة انتقالية تنتقل بالبلاد إلى نظام ديمقراطي ومصالحة مجتمعية وعدالة انتقالية، كما يشاركه إعجابه ببعض أطراف المعارضة “الوطنية” التي يتزعّمها السيد هيثم منّاع، الذي يصفه سيل بالناشط “العريق” في مجال حقوق الإنسان، ويشيد بإدارته للمعارضة الشبيهة.
ولا يقتصر الأمر على سوريا أثناء الثورة، ففي عام 2005، نشر سيل مقالة في “الغارديان” اللندنية برّأ فيها نظامَ الأسد من جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ولكنّ أداء سيل غير الموضوعي تجاوز عائلة الأسد، فكتابه عن رئيس الوزراء الأسبق رياض الصلح، “رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي”، ووجّه بانتقادات كثيرة بسبب عدم دقة المعلومات الواردة فيه، وكذلك لا يمكن الركون إلى كتابه عن الأمير خالد بن سلطان باعتباره مرجعاً موثوقاً به.
ولكن الرجل يتمتع بثقافة واسعة وذائقة فنيّة وسحر شخصي وحسّ عال بالدعابة كانت تلزمه غالباً عندما كان يردّ على منتقديه.
اليوم، باتريك سيل في مكان آخر. ولن يعود بمستطاعه أن يلمّع صورة أي ديكتاتور في هذا الجزء من العالم أو في غيره. ولكنّ السؤال الذي يلحّ: ما الذي يبقى منه؟ سيبقى أنه دافع عن الديكتاتور وعائلته، واستفاد من ذلك مباشرة. ولكن سيبقى أيضاً كتابه الرائد “الصراع على سوريا”. سيبقى شغفه بالفنّ وتعلّقه بدايفد هيكني وهنري مور. ستبقى أيضاً ابتسامته الرائقة عندما كان يتحدث إليك ببعض المودّة. وسيبقى ما قال فيه حازم صاغية: “باتريك سيل غادرنا. صاحب “الصراع على سوريا” علّمنا الكثير. فضله لا يُنكر. لكنّه أيضاً صاحب “الأسد”، الكتاب الذي كان يمكن تفاديه. لولا هذا الكتاب لكان حزننا أكبر على باتريك سيل”.
وائل السواح ـ المدن

التعليقات