بغداد 15°C
دمشق 11°C
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020

العنف مقابل الكلمة


 قرود
مضى على وجودي في بيروت أكثر من سنتين. لم يسبق لي أن خضت عراكاً مع أحد. هذا لا يعني أنني شخص حيادي أو صامت أو رمادي، أو شخص ليس واضحاً وصريحاً. إلا أنني مع الحوار وأمتلك جلداً على الخوض في نقاشات لا تنتهي ليس بهدف الإقناع ولا الاقتناع. بل لأن الحوار والاختلاف يعلّمنا أن ثمة آخر يعيش معنا. وهو ليس بالضرورة سيئاً. يمتلك وجهة نظر أخرى، من المفيد تأمّلها.
تلقيت خلال الأيام الماضية، عشرات الرسائل من لبنانيين وسوريين، يشتمونني ويخوّنونني ويتمنّون موتي. واحدة من تلك الرسائل، وكانت الرسالة الأولى التي تصلني، من صبية من الهرمل تعيش في أميركا. حوار طويل جرى بيننا. بدأ برسالة تشتمني فيها بنبرة مفعمة بالتشبيح، وتنتهي باعتذار منها على سوء التصرّف وعلى الرسائل غير اللائقة. وعندما أعيد قراءة الحوار الذي دار بيننا، أزداد قناعة بالتمسّك به، والدفاع عنه، مع الأصدقاء كما مع الغرباء الذي يتمنّون موتي وتقطيعي وفرمي. إذ إن تلك الصبية الهرملية لم تغيّر رأيها بما يحدث وتمسّكت بـ”معلوماتها” عن أن حزب الله يقاتل أعداءه الإسلاميين في سورية. وأنا لم أغير رأيي وتمسّكت بقناعتي. ومع هذا، انتهى الحوار باعتذار شديد اللهجة من طرفها.
ما أحزنني اليوم، هو ردّ الفعل على “بوست” نشرته في صفحتي في “فايسبوك” ، أروي فيه كيف تعرّضت لعنف لفظي وجسدي من سائق سيرفيس في بيروت، فقط لأنني علّقت على مقتل مراسل تلفزيون “المنار” في سوريا. وأنا لم أذكر التعليق الذي قلته لأنني وجدت أن المهم في ما حدث، هو تعرّض مواطن(ة) لعنف بسبب جملة قالها، بغض النظر عن تلك الجملة. إلا أن أطرافاً سورية ولبنانية موالية وشبيحة قرّرت أن تقوّلني ما لم أقُل، وأن تبرّر لسائق السرفيس فعلته تلك. وبما أنني لا أملك قدرات تشبيحية ولا أنتمي إلى جماعة أو طائفة أو نظام، فلن أستطيع سوى كتابة ما حصل، وكيف يتمّ تحويلك في بلدان العسكر والعمامات، من ضحية لعنفهم إلى متّهم ووحش. الفراغات غير مقبولة. وأنا عندما لم أذكر الجملة التي قلتها للسائق، قرّر البعض ملء الفراغ بما يتيح له تبرير عنفه في سوريا وتمرير معركته على أرض ليست أرضه. يقوّلوننا أشياء لم نقلها في محاولة لاختراع وحش فينا، يعينهم على معركتهم.
حاولت اليوم دخول صفحتي في “فايسبوك”، فوجدت إدارة الموقع تعلمني بأنني “ممنوعة من الدخول” لمدة لا أعرف كم ستستمر، لأنني “اخترقت الأعراف” وكتبت بوستاً “مسيئاً”. لا أعرف لمن “يسيء” البوست. وهل إدارة “فايسبوك”تعرف أنه لا يسيء إلى أحد بقدر ما يدافع عن الإنسان وعن رأيه وعن حقه في أن يعيش بسلام من دون شتائم مجانية أو عنف جسدي؟ إدارة “فايسبوك” تعرف فقط أن بلاغات عديدة جاءت ضدّ البوست الذي كتبته، فقامت بحذفه وبمنعي من دخول صفحتي. والشبيحة يمتلكون وسائل لا نمتلكها نحن “المواطنون”. إذ لم يكتفوا بالحذف وبمنعي من التواصل مع الآخرين، بل كتبوا مقالات في مواقع موالية مثل موقع تلفزيون “العالم” وموقع “فينيكس” السوري، أنني فرحت لمقتل مراسل “المنار” وعبّرت عن فرحي الغامر للسائق.. فضربني. والحقيقة أنني لم أفرح لمقتله. وهذا لا يعني أنني لا أدين مشاركته في التغطية الإعلامية لمعركة فئة من اللبنانيين ضد شعب أنتمي إليه. إلا أنني لا أفرح في الموت. ولا أمتلك القدرة على ذلك. استمعت إلى المذيعة، عبر الراديو في سيارة السيرفيس، تقرأ نبأ وفاة زميلها بصوت متهدّج، تتخلله زفرات حزينة. قلت بصوت مسموع: “مساكين هالشباب اللي عم يروحوا يموتوا في سوريا!”. هذه الجملة أثارت غضب السائق فشتمني ولطمني. لم أقل له إنني سعيدة. لكنهم يريدونني أن أقول ذلك. يريدون تحويلي إلى وحش يستمتع بالموت.
وبما أننا نعيش في بلدان، يفخر البعض فيها بحذاء عسكري يضعونه فوق رؤوسهم سعداء، ويلتقطون صوراً معه، أو يضعون عمامة تبرّر عنفهم تحت غطاء الدين أو مقاومة العدو الغاشم، لا أملك قانوناً ألجأ إليه ولا عدالة تدافع عن حقي كمواطنة تعرّضت لعنف وسط الشارع، ثم قيل على لسانها ما لم تقله، ثم شتمت وخوّنت. لا أملك سوى أملاً مخادعاً في مستقبل نعثر فيه على فسحة لآرائنا رغم اختلافها ويحاكم فيه كل من اعتدى بالعنف على الإنسانية وعلى حق الآخر في الاختلاف.
ديمة ونوس ـ المدن

التعليقات