بغداد 15°C
دمشق 9°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

عاصمة الألم السوري… حلب من حصار شرقها إلى حصار غربها


حلب1

رامز أنطاكي

اشتعلت جبهات مدينة حلب من جديد، وعادت أيام كان سبق لحلب أن شهدت ما يشبهها لم يعتقد مواطنوها أنها ستعود، فشبح الحصار خيم على القسم الغربي “المحتل” من المدينة بعد إغلاق معبر بستان القصر ومن ثم الإغلاق المتقطع لطريق خناصر الذي كان الشريان الحيوي الرئيسي وشبه الوحيد الذي يربط هذا القسم بالعالم.

شن مسلحون محسوبون على المعارضة هجوماً مركزاً على عدة جبهات قد يكون أهمها جبهة مبنى مخابرات القوى الجوية ومنطقة الزهراء، حيث أحرزوا تقدماً ملحوظاً، ورأى بعض المتابعين أن هذا التقدم لا يرجع فقط إلى القوة العسكرية للمهاجمين وإلى عنصري المفاجأة وحسن التنسيق فقط، بل أيضاً إلى معلومات استخباراتية وصلت إلى قادة هذا الهجوم مكنتهم من الوصول إلى ما وصلوا إليه.

في الوقت عينه تقريباً بدأت زخات قذائف الهاون تتساقط على المناطق السكنية المدنية في القسم الغربي من المدينة بكثافة غير معهودة، مما أسفر عن سقوط عدد متزايد من الضحايا بين قتيل وجريح، في فعل صنفه البعض على أنه رد على ارتفاع عدد البراميل المتفجرة التي دأب النظام على قصف المناطق “المحررة” بها. الجدير بالذكر هنا أن عدداً لا يستهان به من ضحايا قذائف الهاون التي أطلقت من الجهة المسيطر عليها من قبل مسلحي المعارض، هم مواطنون عرف عنهم ضمن دوائر معينة معارضتهم للنظام وتأييدهم للثورة.

 

بين البراميل والهاون

رافق هذا التصعيد العسكري لاحقاً قطع متعمد للتيار الكهربائي عن المناطق الغربية من حلب، هذا القطع نفذ كوسيلة ضغط تهدف إلى منع النظام من قصف المناطق “المحررة” بالبراميل المتفجرة وفق بيان صدر بهذا الخصوص، وبهذا فقد أمست المدينة بأكملها، بقسميها الشرقي والغربي محرومة من التغذية بالتيار الكهربائي فصار الظلام سيد الموقف، وتبع هذا الحرمان بالنتيجة إنقطاع المياه وتزايد سوء الإتصال بالإنترنت السيء أصلاً.

الحلبيون المعارضون، من كان منهم مقيماً في المناطق الشرقية ومن كان منهم مقيماً في المناطق الغربية لم يتوانوا عن إدانة واستنكار ممارسة الحصار وبالأكثر قصف المناطق المدنية بالهاون من طرف القسم “المحرر”، فقد كتب ج. أ. عبر تويتر: “لا فرق بين شهيد الهاون وشهيد البراميل إلا بمقدار ما نملك من ضمير”، في الوقت الذي لم تلحظ فيه -إلا في ما ندر جداً- حالات مشابهة لإدانات صادرة عن مواطنين مؤيدين للنظام لقصف المناطق “المحررة” بالبراميل المتفجرة، في هذا السياق يقول جميل الشاب المعارض المقيم في منطقة السبيل الواقعة في القسم الغربي من المدينة: “رغم الفوضى السائدة، والممارسات الإجرامية من كلا الطرفين، لا يمكنني التغاضي عن تفوق أخلاقي ما لصالح جمهور المعارضة وبعض مسلحيها”. على كل حال يبدو أن الأيام الأخيرة شهدت إنحساراً في قصف المناطق الغربية من حلب بقذائف الهاون، إنحسار اعتبر أن سببه هو الضغط الشعبي على الفصائل المسلحة التي تنتهج هذا النهج.

 

ردود أفعال من غربي حلب

ردود أفعال الحلبيين المحاصرين كانت متفاوتة بين السخط والغضب من الحالة التي وصلوا إليها بسبب مسلحي المعارضة بحسب رأيهم من جهة، والسخرية والتهكم من جهة أخرى، دون أن ننسى أولئك الذي يطلقون النداءات العاطفية المتكررة عبر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي مخاطبين “سيادة الرئيس” كي ينقذ حلب. من الجدير ذكره هنا، أن أصحاب النداءات وبعض مؤيدي النظام الآخرين يؤكدون أن كل منفذي الهجوم على مبنى مخابرات القوى الجوية هم من الشيشانيين، فبعرفهم، لا يمكن لأي تقدم عسكري تحرزه قوات محسوبة على المعارضة إلا أن يكون سببه مقاتلون إرهابيون إسلاميون أجانب، أو حالات خيانة. تعليقاً على هذا قال جميل: “طبعاً، هم بأغلبهم لا يمكنهم أن يدافعوا عن مخابرات القوى الجوية التي يعرف القاصي والداني وحشيتها، يبقى منفذهم الوحيد هو شيطنة المهاجمين”.

بالعودة إلى حالات السخرية والتهكم بين الحلبيين على الحصار والحالة شديدة الصعوبة التي يعيشونها، لوحظت مشاركات مختلفة على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي توصف على نحو ساخر هذه الحالة… ح. ي. نشر عبر صفحته على فايس بوك: “حلب عبتهز فشرت فيفي عبدو”! بينما نشر زميله س. م. عبر الموقع ذاته: “يعني بخلوا الواحد يطلع عن دينو غصبن عنو قطعوا الكهربا وراحت علينا طريقة تحضير سلطة الجرجير عالفضائية يحرق حريشون”.

للفتيات أيضاً مساهمتهن في هذا السخرية المريرة، ر. ت. كتبت: “امان ربي امان وين بروح بحالي؟ كهربا chiga (Chiga كلمة أرمنية معروفة في حلب تعني لا يوجد)، بنزين chiga، مي chiga، اكل chiga، بقيانه موبايل وانترنت وهوا… اكلنا هوا”.

الصور الكاريكاتورية كانت حاضرة أيضاً، ففي الصورة أدناه يطالب متناقلوها بوقف حصار مدينة حلب، والمقصود هنا طبعاً هو حصار القسم الغربي من المدينة.

حلب 20

في المحصلة، عاش أهل حلب الغربية رعباً حقيقياً جديداً، خاصة في الأيام الأولى لإنطلاق المعارك، إذ يؤكد أيمن ه. الكهل المقيم في قسم المدينة هذا: “لم نسمع أصواتاً كهذه من قبل، تبدو شدة المعارك مختلفة على نحو ملحوظ عما عهدناه، أنا أحسد من لم يخف”.

خوف المواطنين هذا لم يخلو من بعد عاطفي حين ظنوا بعد تناقل صور غيمة كبيرة من الدخان والغبار تغطي جهة قلعة حلب أن القلعة قد استهدفت ودمرت، لكن تبين لاحقاً أن تفجيراً نفذه مسلحون محسوبون على المعارضة قرب القلعة هو السبب في ما نقلته الصور، بينما لا يزال بناء القلعة بخير نسبياً حتى الآن، هذا التفجير كان متزامناً مع تفجيرات أخرى كان منها واحد في ثكنة هنانو وآخر في في حي السيد علي.

الحصار المتقطع والأسعار المرتفعة بإطراد تثقل كواهل المواطنين المثقلة أصلاً، وتزيد على خوفهم خوفاً، ليصحبوا شركاء في المعاناة مع مواطنيهم الذين تخلتف آرائهم مع أغلبهم في المقلب الآخر من المدينة، القوات المحسوبة على المعارضة والتي تشن معركة تبدو ضرورية ومحقة من وجهة نظر معارضي النظام إنزلق بعضها مجدداً إلى ممارسات كانت قوات نظام الأسد المسلحة على أشكالها هي الممارس الحصري لها.


التعليقات