بغداد 32°C
دمشق 27°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

الظواهري والبغدادي مجدداً


داعش
لم تحسم المعركة العسكرية بين الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة لأهل الشام، بل تحولت إلى معارك كر وفر، ما دفعهما إلى الانتقال إلى ساحة مواجهة وصراع من نوع آخر، صراع على الشرعية والتمثيلية عبر ضخ إعلامي وعقائدي موجه إلى جمهور “الجهاديين” في الساحتين السورية والدولية هدفها كسب التأييد ومحاصرة الطرف الآخر وعزله، وتسجيل نقاط سياسية تساعد على الحشد والتعبئة لمواصلة القتال ضده وتبرير استخدام كل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة بعد شيطنته وتحويله إلى مارق ومنحرف وخوّار.
ومع أن بداية الخلاف كانت تنظيمية تمثلت بتجاوز أبو بكر البغدادي لأيمن الظواهري عبر إعلانه ضم ساحة سوريا إلى إمارته وتحويل دولته إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وهذا غير قابل للصرف في وسط سياسي يمنح الأمير مكانة كبيرة ولا يسمح بتجاوزه أو تجاوز اوأمره أو تنفيذ أي تحرك قبل الحصول على مباركته، علاقة تبعية وولاء مطلق على خلفية رؤية تفرض الطاعة والاحترام والتبجيل إلى حدود التقديس، إلا أنه (الخلاف) تطور وتشعب وأصبح حالة عدائية في ضوء التكفير وهدر الدم والاقتتال.
جاء رد الظواهري على مخالفة البغدادي وتجاوزه للتراتبية التنظيمية متدرجاً أوله إعلان أبو محمد الجولاني، أمير جبهة النصرة، رفضه لقرار البغدادي وولاءه للظواهري، في غمزة واضحة من قناة البغدادي تعيده إلى حجمه (أمير ساحة) وتذكره بالمستويات والمقامات، ودخوله -الظواهري- على النزاع بين أميري ساحتين من أتباعه بإصدار قراره بحل تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وإعادته إلى وضعه السابق “الدولة الإسلامية في العراق” وتحديد ساحة عمله في العراق ودعوته إلى الانسحاب من سوريا وتركها لجبهة النصرة بإمارة الجولاني.
لم يقبل البغدادي القرار وأصرّ على بقاء التنظيم بصيغته التي أعلنها وعلى البقاء في الساحة السورية، فانقسم أتباع التنظيمين وبدأت عملية الانتقال من إطار إلى آخر، قبل أن يتحول إلى صراع مميت بدأ بسعي “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) إلى الضغط على الكتائب الإسلامية الأخرى وطلب البيعة للبغدادي وتكفير من يرفض وهدر دمه، بعد أن كانت تكفر فقط كتائب الجيش السوري الحر وأعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ودعاة الدولة المدنية والمنادين بالديمقراطية، والعمل على بسط النفوذ على المدن والبلدات والقرى التي تسيطر عليها كتائب الجيش السوري الحر قبل أن توسع فتحة فرجارها باستهداف الكتائب الإسلامية من أحرار الشام إلى حركة التوحيد… وصولاً إلى مواقع جبهة النصرة.
قالت مصادر سلفية شاركت في الوساطة بين البغدادي والجولاني لـ(صحيفة الزمان العراقية) -23/3/2014-: “إن البغدادي يريد إعلان إمارة إسلامية تمتد من إيران وحتى السعودية عاصمتها الفلوجة وتضم سوريا ولبنان والعراق والجزيرة العربية واليمن”. وأكدت: “إنه سوف يعلن في البيان ذاته تغيير اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى اسم جديد يتضمن معنى الإمارة لأنه مستاء جداً من اختصاره إلى “داعش”، وإنه سيعلن طرد الظواهري من تنظيم القاعدة، على خلفية انحيازه للجولاني (كان الظواهري قد طلب من البغدادي الانسحاب إلى العراق ليكون قائداً لفرع القاعدة فيه على أن يستمر ذلك مدة عام واحد يصار إلى استبداله بقائد جديد في حال عدم إمساكه بالأرض هناك) وفتحِ الباب أمام أنصاره في أفغانستان وباكستان للانضمام إلى دولته”. وكشفت المصادر المذكورة أن “البغدادي يحاجج أن ابن لادن، وخلفه الظواهري، لم ينفذا أي هجوم ضد السعودية وإسرائيل رغم الإلحاح عليهما. في حين تحاجج النصرة البغدادي بأنه لم يهاجم قوات الأسد وأنه استولى على مناطق دفع الجيش الحر الدماء من أجلها. كما لم تقصف قوات الأسد مواقع “داعش” حتى الآن”. وأضافت: “إن البغدادي مستاء من تلميحات الظواهري بأنه ليس من الرعيل الأول من مؤسسي القاعدة ولم يشارك في القتال في أفغانستان”.
دارت، بالتوازي والتزامن مع المواجهة العسكرية المباشرة، معركة سياسية وتنظيمية بالاتصال بالتنظيمات “الجهادية” في الساحتين العربية والإسلامية لكسب تأييدها ومؤازرتها في الصراع، والسعي لإقامة تكتل من تنظيمات إسلامية يبايع البغدادي ويمنحه الولاء ويتبع إمارته كبديل لتنظيم القاعدة، وقد نجح باستقطاب عدد من الشخصيات والتنظيمات “الجهادية”من بينهم أبو منذر الشنقيطي وأبو سعد العاملي و”جماعة أنصار بيت المقدس” (مصر) و”أنصار الشريعة” (تونس) وعدد من القيادات السلفية الصاعدة. وهذا دفع الظواهري لسحب اعترافه بتنظيم الدولة والتبرّؤ من ممارساتها ما جدد الصراع وعمق الخلاف وحوله إلى قطيعة كاملة، ففي شريط مسجل لأبي محمد العدناني، الناطق الرسمي باسم “داعش”، كلام شديد الوضوح والحسم بانتهاء العلاقة والدخول في صراع قاتل ومقتول قال: “لقد انحرفت قيادة تنظيم القاعدة عن المنهج الصواب. نقولها والحزن يعصف بنا والمرارة تملأ قلوبنا. نقولها بكل أسف”. وأضاف: “إن القاعدة اليوم لم تعد قاعدة الجهاد، بل باتت قيادتها معولاً لهدم مشروع الدولة الإسلامية والخلافة القادمة بإذن الله”. وتابع: “إن الخلاف بين الدولة والقاعدة ليس على قتل فلان أو على بيعة فلان، ولكن القضية قضية دين أعوّج ومنهج انحرف وأصبح يؤمن بالسلمية، ويجري خلف الأكثرية، إنه منهج يستحي من ذكر الجهاد والصدع بالتوحيد”. ودعا المقاتلين في صفوف الجماعات الأخرى إلى تأييد تنظيمه في خلافه مع القاعدة. وقال القيادي البارز في تنظيم “داعش” أبو إبراهيم الموصلي، في تسجيل صوتي نشر في “منتدى المنبر الإعلامي الجهادي” بعنوان “رسالة الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى تنظيم قاعدة الجهاد”، “قولنا الصاعق الحارق إلى المتشنج المارق إلى أيمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة)”. وأضاف: “وليعلم من أمثال ظاهرة الظواهري وظهيره (في إشارة إلى الجولاني) لقد سقط عرشك وتلاشت شرعيتك حين آثرت أن تنزل طوعاً من التي في ناصيتها الخير المعقول وتخليت عن الصادقين من الفرسان تحت راية النبي رافعي الرايات السوداء، وترهلت شكيمة العزة والكرامة فيك، وجبنا امتطيت حصاناً من حديد دون وقود وتخلفت عن الثغور وارتضيت بالقعود لماكينات التصوير والبنادق الخشبية والمجلدات الذهبية والكراسي الجلود”.
لم يكد يمضي يوم واحد على هجوم “داعش” ضد جبهة النصرة وزعيم القاعدة أيمن الظواهري، حتى نشر على الإنترنت حديث للظواهري يهاجم فيه “داعش” ويتهمه بعدم الالتزام بأصول العمل الجماعي وإعلان الدولة دون استئذان، ولم يستبعد الظواهري وجود اختراق من النظام، كي يتولى المجاهدون إبادة بعضهم. وأضاف: “أقول لكل مجاهد يشارك في قتال إخوانه المجاهدين أو يعتدي على أموالهم وحرماتهم وممتلكاتهم إن أمر أميرك لا يعفيك من المسؤولية (…) إذا أمرك أميرك بالاعتداء على إخوانك المجاهدين فلا تطعه، واطلب منه أن يرسلك إلى الخطوط والثغور التي تواجه فيها العدو البعثي المجرم وحلفاءه الصفويين”.
تبقى خطورة هذا الصراع بين “داعش” و”النصرة” وكارثيته أنه يتم على الأرض السورية، ومعظم ضحاياه من المواطنين السوريين وحياتهم وممتلكاتهم، وعلى حساب الثورة السورية ومستقبلها وتضحيات الثوار وتطلعاتهم وأهدافهم المحقة في الحرية والكرامة.
علي العبدالله ـ المدن

التعليقات