بغداد 30°C
دمشق 23°C
الأحد 20 سبتمبر 2020

الإسلام الشامي هو الحل!


حسون

“الأمويون ليسوا سوريين، ولو كانوا قادرين على بناء الحضارة في مكة لما أتوا إلى الشام. مَن بنى الحضارة الأموية هم الدمشقيون”. هذه العبارة من حديث الأسد إلى رجال الدين والدعاة الذين التقى بهم بتاريخ 23/4/2014. كان يمكن العثور على أمثال هذه العبارة في كتابات بعض المتحمسين للحضارة السورية، وأولئك التبسيطيين الذين لا يرون التركيبة الإمبراطورية المعقدة بطبيعتها، والتي هي سمة الإمبراطوريات عموماً، ولا تقتصر على “الفتوحات الإسلامية” من حيث مساهمة السكان الأصليين في حضارة المركز، الأمر الذي لم يغب مثلاً عن الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية.

غير أنها هنا لا تأتي منزهة عن الغرض السياسي المباشر، ولا تخفي نيتها النيل من السوية الحضارية للمركز الإسلامي الأول، على رغم أن حركة التجارة الدؤوبة بين الشام ومكة آنذاك تكشف عن ندية حضارية، إن لم نأخذ في الحسبان مجمل التطور الفكري الذي شهدته الجزيرة العربية عشية ظهور الإسلام، والذي جرت التعمية عليه فيما بعد من قبل المسلمين أنفسهم.

خلاصة ما يذهب إليه حديث الأسد إلى رجال الدين هي أن الدين انحرف إلى الطائفية في المركز الخليجي بعد انتصار الثورة في إيران، وانحرف في مركزه المصري “الأزهر” بسبب انخراطه في السياسة، فلم تبقَ سوى المكانة الخاصة لعلماء بلاد الشام، وهم يعملون الآن على “فقه الأزمة” مقابل “فقه الفتنة” الذي بثه المركز الخليجي. فقه الأزمة لا يزال من إنتاج عمل رجال الدين الموجودين في القاعة كأفراد، لكن النية متجهة لمأسسته وفق مرجعية دينية شامية تحدد العمل الديني، وتؤسّس للإسلام الصحيح المفقود لدى المرجعية الخليجية والأزهرية.
يكشف الأسد عن أن لقاءاته تكثفت مع القطاع الديني منذ بداية الأزمة، وعن أنه يعوّل على هذا القطاع لاسترداد الحاضنة الشعبية لـ”الإرهاب”، موضحاً بالقول “إننا أمام عشرات الآلاف من الإرهابيين خلفهم حاضنة اجتماعية، يعني أننا نتحدث عن مئات الآلاف أو الملايين”. ثم في أكثر من سبعين دقيقة يسهب في سرد تاريخي مفاده أن أول ضربة وُجّهت إلى العروبة أتت مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، إذ فرّقت بين العروبة والإسلام، ثم أتت الضربة التالية للإسلام مع طائفية الخليج، موضحاً أن “النظام في إيران لا يقوم على الإسلام السياسي، ولاية الفقيه مجرد شكل للحكم”، تماماً مثلما ينص الدستور السوري على كون الشريعة أحد مصادره الأساسية.
الإسلام الشامي هو الحل، لا يقولها الأسد بهذه الصيغة، لكنها تبدو أيضاً الوصفة المناسبة للرد على العدو الغربي، الذي يحضر متآمراً على العروبة والإسلام طوال حديثه. فالإسلام الشامي وسطي بطبيعته، وغير طائفي بسبب التعدد الموجود في البلاد، والاعتدال بعد ثلاث سنوات أصبح أقوى! ولا يمكن محاربة الطائفية إلا من خلال الدين الصحيح. وفي الأصل لا يوجد طوائف، بل هي مذاهب تختلف فيما بينها حول مصداقية بعض الأحاديث فحسب. الإسلام الشامي هو الوصفة المناسبة للتخلص من الإسلاميين والإسلامويين. ينوه هنا بأن لا وجود في اللغة لتعبير “إسلاموي” فهو حاصل الدمج بين إسلامي ودموي، كما ينوه بأهمية الحرص على اللغة العربية التي لا تنفصل بأهميتها عن الدين، أما ضرورة الإسلام للقيام بكل هذه الأعباء، فلأن الفرق بين الإنسان والحيوان هو العقيدة.
في الواقع، ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها النظام إلى محاولة اصطناع إسلام مقولب على مقاسه، فقبل أكثر من ثلاثة عقود عمد الأسد الأب في مواجهته مع الإخوان المسلمين إلى محاولة الهيمنة على الإطار الرمزي الإسلامي. حينها أنشئت “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن” بإشراف السلطة، وأعطيت للبعثيين أفضلية التسجيل في كلية الشريعة الرسمية، وافتُتحت معاهد وكليات إسلامية ليست بعيدة عن أعين السلطة. لكن كل هذه الإجراءات، كما تبين منذ بدء الثورة، لم تنفع في الهيمنة على الإطار الرمزي الإسلامي، بقدر ما وسعت الهوة بين الإسلام الرسمي ونظيره الشعبي. إسلام السلطة بقي محصوراً بها وزادت عزلته مع الثورة. ذلك لا يعني أن الإسلام الشعبي لا يعاني أزمته الخاصة، ومنها عدم قدرته على تقديم خطاب وطني وإسلامي منفتح، ومنها تعثره أمام الأيديولوجيا التكفيرية التي دخلت على خط الحرب مع النظام وضده.

محاولة اصطناع مرجعية دينية شامية تحت إشراف النظام لا تعدو كونها محاولة جديدة للهيمنة على الدين بدل الفصل بينه وبين الدولة، أو بالأحرى بدل الاعتراف باستقلاليته عن السلطة، وهي بذلك استمرار لنهج السلطة الذي يجعل الدين محل تنازع مع التدين الشعبي. إذ يفرض على الأخير الموالاة والطاعة، وهذه المرة بحجة أن المنابر هي منابر وطنية، ولا بد من قواعد وطنية لتنظيم عملها.

من أجل المرجعية الشامية المنتظرة يجب تدمير أكثر من ألف مسجد، وفق آخر إحصائية لليونسكو، وينبغي إعادة تأهيل الحاضنة الشعبية للإرهاب، أو ما سيتبقى منها بعد الإبادة والتهجير. بصياغة أخرى، يجوز لنا الاستنتاج بأنه يجب تخليص سوريا من أحفاد الأمويين، وإعادتها إلى الشوام، أو إعادتها أربعة عشر قرناً إلى الوراء بدل التهديد السابق  بإعادتها إلى ما كانت عليه قبل مجيء النظام.
عمر قدور ـ المدن

التعليقات