“الباحثون السوريون” و”ناسا بالعربي” منجزان سوريان بامتياز

 

علم1

جمال بيطار

“واحدة من بين كل خمس مدارس في سوريا أصبحت غير صالحة للتعليم” وفق اليونسيف، وتشير تقارير أخرى إلى دمار هائل أصاب البنية التعليمية، بينما تشير أبحاث للأمم المتحدة إلى حرمان كبير يتعرض له طلاب سورية نتيجة دمار مدارسهم وجامعاتهم أو انقطاع الطرق إليها، أو نزوحهم خارج سوريا…. وأمام مأساوية هذه الصورة، لابد من تجارب سورية ما زالت تعمل على رفع الوعي بأهمية العلم والمعرفة كوسيلةٍ للنهوض بالمجتمع.. أو ربما بناء قيم فكرية جديدة لبلد مدمر.

عند البحث في صفحات التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت عن مواقع تتعلق بالعلوم، تلفت مبادرة “الباحثون السوريون” الاهتمام إليها، وهي مبادرة أسسها الدكتور مهند ملك، باحث سوري في مجال علم الإشارة والدسم الخلوية في جامعة كامبريدج، بالاشتراك مع عدد من الشباب والشابات السوريين، ويؤكد المكتب الإعلامي للمبادرة على أنّ ما يجمع بين هؤلاء المتطوعين هو “الرغبةبنشرالعلمالحقيقيفيالمجتمعالسوريخصوصاًوالعربيعموماً”، ويضيف المكتب في معرض الحديث عن الانتشار الواسع للمبادرة، أن الرغبة في نشر العلم هي ما دفعت إلى “انضمام عدد من الشبان العرب، الذي يمتلكون الرؤية ذاتها، إلى هذه المبادرة”.

نشوء الأفكار، الصعوبات

العمل في هذه المبادرات تطوعيٌ بالكامل وفق قائمين عليها، الأمر الذي يُمكن أن يُسبب مشكلة في توسعها، لكن حالة الباحثون السوريون تقف بقوة لتتحدى هذه الصعوبة، فهي تشهد نمواً من حيث عدد المتابعين واحترافية منشوراتها، ما يضعك حائراً أمامها لتسأل هل ما أراه مؤسسة محترفة؟ أم هي حالة طارئة!

يُخبرنا المكتب الإعلامي لمبادرة الباحثون السوريون بأنها بدأت من خلال صفحة على فيس بوك تحمل الاسم نفسه، وهدفت إلى تقديم مواضيع في شتى المجالات العلمية بأسلوب مبسط يُمكّن القارئ العربي – وبالذات غير المتخصص- من إدراك الفكرة المطروحة والإحاطة بها.

مبادرة تمضي قُدماً

تقوم مبادرة الباحثون السوريون بتقديم المقالة العلمية مع ترجمتها، بالإضافة لنقدٍ علمي لها، الأمر الذي يجعل منها مادة تفاعلية غنية أكثر من كونها قالباً صلباً تستطيع قراءته فقط، هذا الأمر ميز المبادرة كثيراً وجعلها تنمو بشكلٍ كبير، ويؤكد المكتب الإعلامي للمبادرة في هذا الخصوص على أنّ هذا الأمر “جعل متابعي المبادرة، الذين تجاوز عددهم المائة وثلاثون ألفاً، لا يكتفون بمجرد القراءة والإعجاب، كما جرت العادة في المنتديات العربية ومواقع التواصل، بل أصبح القراء يعطون آرائهم في هذه المواضيع ويناقشون ويحللون، وحتى يُشككون في بعض الطروحات”.

ويُضيف المكتب لدى الحديث عن نمو عدد المتطوعين، “تنمو خلايا المبادرة بانضمام المزيد من الشبان المتطوعين إلى الفريق، ليفوق عددهم المئتي متطوع، في سياق موقع الكتروني مستقل”.

ووفقاً للمكتب الإعلامي “تلقى المبادرة اليوم دعماً كبيراً من عدد من الباحثين العالميين… مثل البروفسور كارل هينريك هيلدينغ رئيس منظمة نوبل ونائب المجلس الأوروبي للأبحاث، والدكتور جيم الخليلي، المعروف عالمياً في مجال الفيزياء النووية”.

وحصلت مبادرة الباحثون السوريون على المرتبة الأولى ضمن المرحلة الأولى من المسابقة الشهيرة Reality 320، وهي موجودة الآن في المرحلة النهائية للمسابقة ومرشحة بقوة للفوز بها.

وفي ظل الراهن السوري لا يتفاءل مؤسس المبادرة الدكتور مهند ملك بأن يأخذ العلم مكانه الطبيعي في المجتمع السوري.. يأمل ذلك، ويعمل لأجل ذلك، ويقول في لقاء مع موقع الحل السوري “يجب البدء بشيءٍ واحد فقط لكي يؤمن أفراد المجتمع أو الحكومات على الأقل أن العلم ليس من الكماليات، إنّه من الأسس”، ويعقب في رؤيته للاهتمامات الحالية في المجتمع السوري بالقول: “في مجتمعاتنا آخر أنواع الموبايلات، أجمل السيارات، وأقوى الحواسيب أهم من اختراعها، وطالما بقي هذا الفكر مسيطراً، لن نرى ذلك اليوم الذي تصبح فيه المعرفة أهم أركان المجتمع”.

“لا نعمل على نشر العلم لنشره فقط، وإنّما على تغيير العقلية والمنهجية الموجودة لدى المتابع العربي، علّه يُدرك أن العلم قد يساوي القمح والماء في حياته.. لعله يُدرك أن شعارنا صحيح وصائب، العلم هــو الحل” يختتم ملك.

 

ناسا بالعربي

 

مع الاستمرار بالبحث، تشد الاهتمام مبادرة سورية أخرى هي “ناسا بالعربي”، مبادرة أسسها همام بيطار، وهو مهندس طاقة نووية سوري ومُدرس جامعي سابقاً مقيم في ألمانيا منذ فترة قريبة.

تسعى “ناسا بالعربي” وفق القائمين عليها لنشر المعرفة العلمية الرياضية الفيزيائية والفلكية في المجتمع العربي، معتمدةً على الترجمة الدقيقة للأبحاث، وفق “الصياغة المفهومة والحبكة اللغوية المتقنة” ويرفق البحث المترجم بالنص الأصلي، بينما يفتح الباب للتداول والنقاش حول النظرية أو البحث المطروح، سواء من خلال مناقشة القائمين على الصفحة عبر بريدها، أو من خلال التعليقات في أسفل كل بحث مدرج.

يؤكد طارق نصر، وهو طالبٌ سوري يتابع دراساته العليا في فلوريدا في الولايات المتحدة، أخذ على عاتقه مهمة التدقيق اللغوي وتدقيق الترجمة لمقالات مبادرة ناسا بالعربي، أنّ ما يقوم به “أقل من الواجب” مشيراً إلى أن عمله “ممتع للغاية” خاصة وأن مجال الأبحاث التي يعمل بها تتعلق بالفلك والفضاء.

ويلفت نصر في معرض حديثه عن الصعوبات التي يعاني منها في طرح الأبحاث، إلى أن المبادرة تخاطب مجتمعاً “غُيّب وغاب عن هذا النوع من العلوم منذ ولادتها الحديثة، الفضاء تحديداً، والذي ظلّ في مخيلة الطالب السوري مثلاً عبارة عن شمسٍ في الوسط، تدور حولها مجموعة من الكواكب”.

ويقول: “تبدو اللغة العربية، جراء عدم تقدم العلوم في البلدان الناطقة بها، جامدةً تكنولوجياً” وهذا الأمر بدوره يضع تحديات كبيرة أمام المبادرات العلمية، يقول نصر “في كل بحث، نحتاج إلى مفردات مُبتكرة وإلا فقدنا الموضوعية والصدق والجمالية أيضاً، هذه المشكلة هي أكبر المشاكل التي نواجهها حالياً “.

يُشكل الإحساس بالفجوة المعرفية التي يُعاني منها مجتمعنا، حصان طروادة للمتطوعين في هذه المبادرات وفق نصر، إذ يدفعهم ذلك للاستمرار دوماً، ويؤكد طارق “شعوري بالقلق الكبير تجاه مجتمعي وكذلك دراستي الجامعية المتمحورة حول التعليم وفلسفاته ونظرياته، إضافة إلى هذا الشغف الكبير الذي ينتابني عندما أقرأ عن إنجازات العلم، كلها مجتمعة جعلتني أنضم إلى فريق العمل التطوعي في صفحة ناسا بالعربي”.

 

كلمة..

يتداول مختصو الأبحاث العملية السوريون كل جديد على صفحات مبادراتهم، ينشؤون ما يمكنهم من خلاله لفت أنظار أكبر كم ممكن من المجتمع العربي إلى حيز مغيب عن الذهنية العربية، يكمل بعضهم اختصاصه في جامعات عالمية، وينتظر آخرون منحة أو بعثة ما، بينما يغيب البحث العلمي عن بعضهم في مخيمات النزوح السوري أو في المدن المنكوبة… يهربون من صوت الرصاص والقذائف إلى معادلة رياضية، هي الأقدر على رسم صورة الحياة… البناء بالنسبة للباحث السوري مخطط ونظرية وأرقام…. لا تدمره قذيفة، إلا أن الرصاص الذي يخترق صدر السوري اليوم، هو الحقيقة الكارثية ومحرقة العلم والإنسان.

 

موقع الباحثون السوريون http://www.syr-res.com/

صفحة ناسا بالعربي https://www.facebook.com/NasaInArabic

 

 



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/99LFd


أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.