بغداد 10°C
دمشق 11°C
الأربعاء 25 نوفمبر 2020

حمص الشهيدة


Damaged buildings are seen in Juret al-Shayah
باتفاق مقاتلي المعارضة مع النظام على الخروج من احياء حمص القديمة بأسلحتهم الفردية الى الريف الشمالي فقدت الثورة السورية موقعا استراتيجيا وذا رمزية كبيرة: أول مدينة سورية خرجت تضامنا مع أهالي مدينة درعا يوم 25/3/2011، وأول مدينة قدمت شهداء بعد درعا(7 شهداء في الجمعة الثالثة 8/4/2011) وأول مدينة حاولت احتلال ساحة والاعتصام بها تحت شعار “اعتصام … اعتصام حتى يسقط النظام” ودفعت ثمنا باهظا لمحاولتها( 34 شهيدا وعشرات الجرحى ومئات المعتقلين)، هذا بالإضافة الى عدد الشهداء الضخم والدمار الكبير الذي لحق بالمدينة وريفها.
لم تكن حمص، عاصمة الثورة، وأكثر المدن السورية عطاء وتضحية وحسب، بل وكانت بالنسبة للنظام مختبرا لإدارة الصراع لاحتواء الحراك الشعبي وإجهاض ثورة الحرية والكرامة ووأد تطلعات المواطنين الى الخلاص من القمع والتمييز. فحمص، المدينة والمحافظة، بتنوعها الديني والمذهبي، وتشكيلاتها الاجتماعية، وتعدديتها السياسية، صورة مصغرة لسوريا، ما جعلها مسرحا لتجريب وسائل وأدوات تفكيك قوى الثورة من خلال تفكيك الروابط الاجتماعية، وإبراز التباين الديني والمذهبي، لخلق انقسام عمودي يعيد اصطفاف المواطنين وتموضعهم على ضفتي الصراع وفق اعتبارات دينية ومذهبية وعرقية، ناهيك عن بعث رسائل ترهيب للمواطنين السوريين من حمص عبر الاستخدام المفرط للقوة وقتل المواطنين بشكل عشوائي، واختطاف النساء والبنات واغتصابهن، والاعتقال التعسفي للمواطنين ونهب ممتلكاتهم من قبل الشبيحة وعناصر المخابرات، ففيها ظهر ما عرف بـ”سوق السنة” حيث كان يباع الاثاث المنهوبة من الاحياء السنية.
غير ان وحشية النظام وبطشه لا تفسر وحدها كل ما وقع من هزائم وخسائر في الأرواح في حمص، وفي عموم المحافظات كذلك، حيث ثمة أخطاء استراتيجية وتكتيكية اقترفها الثوار والكتائب المسلحة خلال ادارتهم للمواجهة مع الشبيحة وعناصر المخابرات في البداية ومع قوات الجيش فيما بعد، أخطاء سياسية وعسكرية(خاصة اعتماد استراتيجية القتال في مواقع ثابتة في مواجهة جيش يتفوق بالعدد والعتاد وبالطاقة النارية واللوجستية والقدرة على تعويض الخسائر والحشد ونقل القوات من جبهة الى أخرى) ترتب عليها خسارة معارك ومواقع والتراجع الى الاحياء القديمة(قلب المدينة) والعيش تحت سيف الحصار والقصف والتجويع.
بدأت مسيرة التراجع بعُيد التحول الى استخدام السلاح لحماية التظاهرات من بطش الشبيحة والمخابرات حيث انقسم الشارع الحمصي الثائر، وكذلك في المحافظات الأخرى، على خلفية تشكل الكتائب على اساس محلي، لكل حي كتيبته الخاصة، ما أفرز عددا كبيرا من الكتائب( 31 كتيبة)، ما لبث ان دب الخلاف والتنافس بينها على طرق العمل والأولويات والأدوار قبل ان يضاف اليه سبب جوهري افرزته الحاجة: تأمين الأسلحة. فقد استغلت جماعة الاخوان المسلمين قدراتها المالية وسعت لاستتباع كتائب الاحياء عبر ربطها تقديم السلاح بإعلان الولاء للجماعة، ما أثار حفيظة التجمعات السلفية الحمصية، التي تصدت للجماعة وطردتها من بعض الأحياء، ودفعها لتأمين دعم محلي وخارجي مستقل من جماعات سلفية عربية( خليجية بشكل رئيس)، وهذا قاد الى نتيجتين خطيرتين: تكريس انفصال الكتائب واستئثار كل منها بما يصلها من دعم مالي وتسليحي ورفض مد الكتائب الأخرى، ودخول طرف خارجي(الجهات المانحة) على ادارة الصراع وسعيه للتأثير على مجرياته ببث أفكار وأهداف سلفية(تطبيق الشريعة وإقامة دولة اسلامية او دولة الخلافة والدفع بالبعد الطائفي للصراع الى صدارة المشهد في خدمة للنظام وحلفائه لا تقدر بثمن) تتعارض مع منطلقات الثورة السورية وأهدافها في الحرية والكرامة، ما أفرز سببا اضافيا للاختلاف والانقسام العمودي بين كتائب الثوار. وقد حصل في الريف الحمصي ما حصل في المدينة من تشكيل كتائب محلية وحصر نشاطها الميداني في الاطار المحلي واعتمادها على جهات مانحة وخضوعها لتأثيراتها الفكرية والسياسية(ظهر الاثر السلبي المدمر لهذه التشكيلات المنفصلة وتبعيتها للجهات المانحة عندما نجح النظام في تطويق المدينة وحفر حولها خندقا للحد من حركة الكتائب ومنع وصول الدعم فلجأت كتائب المدينة الى كتائب الريف طلبا للمؤازرة والمساعدة بتقديم السلاح والذخيرة ولم تلق استجابة لطلبها)
مع تصاعد المواجهة وزج النظام للجيش في مواجهة التظاهرات السلمية وكتائب حمايتها، وتنفيذ عمليات قتل عشوائي عبر استخدام اسلحة ثقيلة، زادت الحاجة الى السلاح والمال لمساعدة المتضررين ومعالجة الجرحى ما اعطى الجهات المانحة المزيد من الحضور والتأثير على الاحداث الى حد توجيه الكتائب للقيام بقصف الأحياء الموالية للنظام(الزهراء، عكرمة، كرم اللوز، النزهة) او التشجيع على الانتقام والقيام بعمليات خطف علويات ردا على خطف نساء وبنات السنة.
ما زاد الطين بلة فشل المستوى السياسي( المجلس الوطني السوري بداية والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة تاليا) في لعب دور قيادي فاعل، والتحول الى مرجعية سياسية، وتأمين احتياجات قوى الثورة بعامة والكتائب المسلحة بخاصة، بحيث يحررها من ضغط الجماعات السلفية الخليجية واطروحاتها الفكرية وأهدافها السياسية، ويوحدها تحت قيادة موحدة وخطة عسكرية منسقة.
وعليه غدت قوى الثورة في حمص موزعة على كتائب وولاءات لجهات مانحة متعددة الاهواء ومتباينة التصورات والبرامج ما جعل امكانية تبني استراتيجية قتالية واحدة او ترتيبات لوجستية منسقة وخوض معارك مشتركة مستحيلا، وهذا قاد الى الدخول في سلسلة تراجعات وهزائم عسكرية وتفكك كتائب وتلاشيها، والذين بقوا في الأحياء القديمة هم ابناء هذه الأحياء ساعدهم عمق الارتباط بينهم والحاضنة الشعبية وطبيعة الاحياء بشوارعها الضيقة، وإدراكهم لخطورة التراجع والهزيمة على ذويهم من انتقام النظام اذا ما نجح في اقتحام هذه الأحياء، ففي الذهن ما حصل من مجازر في المناطق التي دخلها جيش النظام والشبيحة في الحولة وبانياس والبيضا ومناطق أخرى كثيرة، على الصمود الاسطوري لنحو عامين.
يبقى ان ثوار حمص القديمة وأسرهم، الذين خرجوا بموجب الاتفاق الذي تم، نجوا من موت محقق بالقصف او بالجوع والمرض بفعل التعاطف والتنسيق والدعم الذي قدمته كتائب مقاتلة في أكثر من محافظة عبر ادخال الافراج عن اسرى للنظام وروسيا وإيران والسماح بمرور مساعدات غذائية الى بلدتي نبل والزهراء المحاصرتين من قبل كتائب معارضة في الصفقة كي تصل الى الهدف المشترك: خروج المحاصرين بسلاحهم الفردي وتجنيبهم الاستسلام او الاذلال أو الانتقام.
تطرح معركة حمص ونتائجها، السلبية قبل الايجابية، ونجاح عملية التنسيق الاخيرة لإخراج المحاصرين سالمين محفوظي الكرامة، على كتائب الثورة الدراسة والتمعن وإعادة النظر في ادارتها للصراع وأهمية تحقيق مستوى من التنسيق والتعاون والتكامل علها تجسر الهوة بينها وتفتح طرقا لتعديل ميزان القوى تحتوى به هجوم النظام وحلفائه وتمنح المواطنين املا بالخروج من عنق الزجاجة بمحصول يخفف من ثقل الخسائر والأضرار وجروح الروح  العميقة.
علي العبدالله ـ المدن

التعليقات