بغداد 12°C
دمشق 11°C
الخميس 3 ديسمبر 2020

معامل حلب.. قصة نزوح العاصمة الصناعية


معمل

رامز أنطاكي

أعادت التطورات العسكرية في حلب خلال الأسابيع الأخيرة فتح دفاتر كانت قد أغلقت أو نسيت، ففي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها أهل حلب، والصعوبات المعيشية التي زاد من حدتها فقدان بعض المواد الغذائية وارتفاع أسعار بعضها الآخر، عادت بهم الذاكرة إلى مأساة الحالة الصناعية في حلب، المدينة التي اشتهرت بمعاملها وإنتاجها الصناعي.

بدأت الصناعة الحلبية تتأثر مع إنطلاق الثورة التي وإن بقيت بعيدة نسبيياً عن حلب إلا أن أحداثها أدت إلى خسارة بعض الأسواق بسبب صعوبة المواصلات والحالة الأمنية، ومنذ بدء معركة حلب قبل أكثر من عام، بدأ التضرر الفعلي يصيب الصناعة الحلبية مع وصول المعارك إلى طرق مواصلات المعامل، ومن ثم إلى المعامل ذاتها، لاحقاً كثر الكلام عن تدمير ممنهج للمعامل، وتفكيك بعضها ونقله بقصد البيع إلى تركيا، وهناك معامل دفع أصحابها مبالغ مالية لجبهة النصرة لتسمح لهم بإخراج الآلات من المنطقة الصناعية، وتم تفكيكها ووضعها في مستودعات تقع ضمن الريف الغربي لحلب، كما تم تناقل روايات عن صناعيين تم الاتصال بهم لتقديم عرض إعادة آلات معملهم مقابل مبلغ مالي…

اليوم وعلى خلاف ما يظنه الكثيرون، هناك معامل ما تزال آلاتها تدور في حلب، بل وتصدر إنتاجها أيضاً إلى خارج سورية، تتركز هذه المعامل غرب مدينة حلب، إذ إن المنطقة الصناعية الموجود شرق المدينة (الشيخ نجار) قد أصيبت بدمار شديد جراء المعارك التي دارت هناك في مرحلة سابقة وعمليات السرقة والنهب التي تبعت هذه المعارك.

أغلب المعامل التي ما تزال تعمل اليوم في ريف حلب تحت سيطرة فصائل المعارضة، تضطر إلى دفع ضرائب منتظمة إلى هذه الفصائل لضمان سير العمل وتسهيل دخول المواد الأولية وخروج المواد المصنعة وحركة العمال، ما عدا المعامل الواقعة على طريق خان العسل – أورم – باب الهوى حيث لا تفرض عليها الضرائب.

 

معامل وضرائب

واحد من المعامل التي تعتمد على دفع الضرائب للاستمرار هو معمل (أو مجموعة معامل) ألفا للصناعات الدوائية المثير للجدل، فهو يقع في منطقة المنصورة غرب مدينة حلب وهي منطقة مسيطر عليها من قبل كتائب نور الدين الزنكي المعارضة، بينما يحسب المعمل على فارس شهابي رئيس غرفة صناعة حلب، المعروف بمواقفه النارية ضد المعارضة، ومواقفه المتطرفة حتى ضد السكان المدنيين في المناطق المسيطر عليها من قبل المعارضة.

يؤكد ناشطون معارضون مطلعون على واقع الصناعة في حلب قبل وأثناء الثورة، أن معملاً كمعمل فارس شهابي لا يزال يعمل، كون المواد الأولية تصله عن طريق ميناء اللاذقية، و”ربما عن طريق تركيا”، والأدوية توزع في الأسواق المحلية ويصدّر منها ما يلزم عن طريق ميناء اللاذقية أيضاً، أما العمال فهم يقيمون في المعمل والمهاجع التي ألحقت به للتأقلم مع الظروف الأمنية، ويقوم مسلحون ممولون من قبل فارس شهابي بتأمين حماية إضافية للمعمل رغم الإتفاق المعقود مع كتائب نور الدين الزنكي، و”لا يمكن لأحد أن يؤكد قيمة المبلغ المالي الذي تقبضه كتائب الزنكي من شهابي لقاء تسهيلهم أمور معمله”، ربما يبقى الأمر محصوراً بمسؤول كتائب نور الدين الزنكي الشيخ توفيق شهاب الدين وكبار قادة الكتائب، ويقول أحد المتابعين أن قضية معمل ألفا هذه هي سبب مهم من أسباب انفصال كتائب نور الدين الزنكي عن جيش المجاهدين.

وتؤكد المصادر أن المعامل التي تم تفكيكها ونقلها إلى تركيا بغرض بيعها كانت في أغلبها ضمن منطقة الليرمون، حيث كانت السيطرة حينها على الأرض لـأحمد عفش وخالد حياني اللذين لم “يعرف عنهما الأمانة أو حسن السلوك بل لقبا بسارقي المعامل”، ولا يمكن هنا “نفي مسؤولية الحكومة التركية” التي سمحت بعبور هذه المعامل المفككة إلى أراضيها، مع “إستبعاد أن تكون العملية منظمة مباشرة من قبل جهة رسمية تركية في ظل غياب أدلة موثوق بها تدعم هذا الإدعاء”.

تؤكد المصادر أن الحكومة التركية منعت أعمال سرقة المعامل وتهريبها إلى تركيا منذ حوالي سنة، إلا أن الكثير من معامل حلب كانت قد هربت سابقاً، وما يتم الآن من تهريب وسرقة هو “بعيد عن أنظار الحكومة التركية” وفق المصادر.

يقول أحد صناعيي حلب ممن فقدوا جزءاً من معاملهم “المعامل سنعاود بناءها وتشغيلها حالما تستقر الأوضاع، حتى الضرائب الحالية لا تزعج من بقي قادراً على العمل من زملائي الصناعيين، ما زالت هذه الضرائب تضمن استقرار الوضع الأمني للمعمل”، عبر قليل من الإتصالات يستطيع هذا الصناعي تأكيد أن أغلب أصحاب المعامل باتوا خارج حلب، في منطقة الساحل السوري، أو لبنان وتركيا وغيرها… لكنه يجزم في الوقت نفسه أن أغلبهم سيعودون إلى حلب وإلى إنعاش صناعاتهم ومعاملهم، حالما يثقون بأن الأمر بات ممكناً، فالذين حسموا أمرهم بالبقاء حيث انتقلوا ما زالوا قليلين نسبياً.

الحالة الأمنية والعسكرية في حلب وريفها المعني بالحالة الصناعية لا تبدو مقبلة على استقرار قريب، ولا يمكن التنبؤ بما يخفيه المستقبل، وحتى وقتٍ يعود فيه الاستقرار إلى حلب لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تبدأ علامات الصحة والإنتعاش بالظهور على ملامح الصناعة الحلبية الشهيرة.

 

 

 


التعليقات