بغداد 32°C
دمشق 24°C
السبت 19 سبتمبر 2020

ماذا بعد نصر الثوار في حمص؟


Damaged buildings are seen in Juret al-Shayah

هلّل الإعلام السوري لسقوط عاصمة الثورة «حمص» في يد جيش وزارة الدفاع السورية، وعدّ ذلك بداية لأفول نجم ثورة «الإرهابيين» – كما يسميها -، وانتصاراً لقائد الأبد بشار الأسد، وشاركه في هذا الاستقراء المستقبلي عدد كبير من المهتمين بالثورة السورية على مستوى العالم.

 إذ تسابق المحللون السياسيون والراصدون الإعلاميون إلى تسجيل قراءاتهم لما بعد «سقوط حمص»، وتأثير ذلك في مستقبل الثورة السورية، واعتبر الكثير منهم أن بشار الأسد أقوى اليوم من أي وقت مضى!

 لكن هل يمثل خروج الجيش الحر من حمص نقطة تحول بالفعل في الثورة السورية؟ وهل يمثل ذلك إعلاناً ببدء تراجع الثورة السورية وانكسارها على أسوار نظام البعث الذي يحكم سورية منذ ما يزيد على أربعة عقود؟ هل هُزم الثوار بالفعل هزيمة موجعة ومذلّة لن تقوم لهم قائمة بعدها؟ هل انتصر البعثيون بقيادة أقليتهم الأوليغارشية؟

 في تقديري أن الأحداث التي حدثت أخيراً في حلب تثبت – بما لا يدع مجالاً للشك – أن نظام بشار الأسد وجيشه اليوم أضعف من أي وقت مضى، وليس العكس. فالقبول بمبدأ التفاوض مع الثوار ومن ثم السماح لهم بركوب الحافلات والخروج من حمص مرفوعي الرؤوس، باتجاه ريفها هو خضوع للأمر الواقع، واستسلام لنتائج ثورة «مارس٢٠١١».

 كان النظام طوال عامين يرفض مبدأ الحوار مع الثوار، ويعتبر أن مجرد قبول فكرة الجلوس معهم على طاولة واحدة إقرار رسمي بشرعية وجودهم، لكنه اضطر تحت وطأة الخسائر المتتالية والضغوط الداخلية إلى لقاء نصف دائرة الثورة السياسي في جنيف والتحاور معه، ثم عاد بعد أشهر ليجلس مع حملة السلاح في حمص ويفاوضهم على الخروج من المدينة، لأجل أن يصنع فقط مجداً إعلامياً ورقياً، لا أقل ولا أكثر.

 لم يستطع النظام كسر ثورة الثوار في حمص طوال الأشهر السبعة الماضية، على رغم استخدامه البراميل المتفجرة بشكل يومي، وعلى رغم تجويعه أهالي المدينة بشكل انتقائي، وعلى رغم تركيعهم وانتزاع ولائهم غصباً عنهم بسلاح الغذاء والدواء!

لم يستطع النظام طوال هذه الفترة القضاء على الثوار، وكان من الضعف بحيث لم يستطع دخول المدينة، على رغم أن عدد الثوار المقاتلين فيها لم يتجاوز الألف مقاتل.

النظام لم يدخل حمص عنوة، لم يكسر شوكة الثوار، ولم يكثر القتل فيهم والاعتقال والأسر كما تنص سياسات النصر في الحروب والمواجهات العسكرية، إنما اكتفى بنصر الدخول فقط المبني على تفاهمات اقتصادية وإنسانية.

 وفي المقابل، استطاع مقاتلو الثورة الخروج بسلام، حاملين معهم أسلحتهم تحت أنظار النظام والعالم. استطاع الرجال الذين تصفهم ماكينة النظام الإعلامية صباح مساء بالمجرمين والإرهابيين، استطاعوا رسم نصرهم الموقت والخروج من أزمتهم بأقل الخسائر، بوصفهم أبطالاً نسوا تهجئة أغنية الحرب الأخيرة.

 النصر إذاً للثوار وليس للأسد وجنوده، ولكن هل هذه فعلاً الطريقة المثلى لعمل الجيش الحر؟ وأعود إلى سؤال البدء: هل يمثل خروج الجيش الحر من حمص نقطة تحول بالفعل في الثورة السورية؟

 يظن الكثير من المراقبين والراصدين – مثلما أسلفت – أن ما حدث في حمص يمثل نقطة تحول للثورة السورية وانعكاساً سالباً على مستقبلها، وأظن أن على السوريين الثائرين أن يعدّوا ذلك فعلاً نقطة تحول للثورة، لكن من منطلقات إيجابية. تجربة حمص يجب أن تترك أثراً عميقاً في استراتيجيات المرحلة المقبلة، وعلى منظّري الثورة وكبار قادتها العسكريين أن يجلسوا من جديد ويعيدوا التفكير في طريقة عمل الجموع المسالمة والمجاميع المسلحة، اعتماداً على عمل ميزان ذي كفتين: نتائج الأعوام الثلاثة الماضية في كفة، ونصر حمص الأخير في الكفة الأخرى.

 اعتمد الجيش الحر طوال الأشهر الماضية على سياسة كسب الأرض واحتلال المدن، والزحف باتجاه دمشق. كان الجيش الحر يعمل وكأنه دولة في مواجهة دولة. يحتل الأرض ثم يزحف باتجاه الأرض التي تليها لتحريرها، وكان في كل مرة يتورط في مسألتين في غاية الحساسية:

 الالتزام بتدوير عجلة اقتصاد المناطق المحررة، والذهاب بعيداً في تعقيدات حياتية لم تكن في قائمة مهماته عند تكوينه. والمسألة الأخرى، كشف الجزء الأكبر من ظهره لنيران طيران نظام الأسد.

 حركة الثوار تباطأت، وحجم الأعمال غير العسكرية للجيش الحر اتسعت، وبدأ مواطنو جمهورية الثورة الجديدة يتخلون شيئاً فشيئاً عن تأييدهم الثوار، بسبب انحدار مستوى المعيشة في المناطق المحررة، ما جعل قاطني المناطق غير المحررة يتمسكون أكثر بنظام الأسد، عملاً بمبدأ «الحياة في السجن أفضل من الموت في الشارع».

 أظن أن على جمهورية الثورة أن تتخلى عن فكرة التطهير والإنقاذ، من خلال الاحتلال وكسب الأراضي والمدن، وتستبدل ذلك بالعمل الثوري الموجه فقط إلى دمشق وجيشها وإلى تشكيلات المخابرات كافة. على الثوار أن يجعلوا النظام مشغولاً في أكثر من جبهة، فيما هم يخططون وينفذون لقلب نظام الحكم، من خلال «قلب» نظام الحاكم النابض لا أطرافه وأذرعته البعيدة!

 لتبقَ الأراضي الشاسعة تحت حكم الأسد، وليتولَ رجاله مهمة إدارة التجمعات السكانية أمنياً واقتصادياً، ولتتورط أجهزته في معالجة التعقيدات اليومية لدولة فاشلة، فيما ينقسم الثوار إلى فريقين: فريق يسعى إلى إفشال الدولة في كل جزء منها، يسعى إلى الفشل فقط لا الغلبة والتمكن والسيطرة، وفريق يرسم كل يوم آلاف الخطط، للوصول إلى قصر المزة من خلال العمل من تحت السطح مخابراتياً وسياسياً و… بعثياً إن اقتضى الأمر!

عبد الله ناصر العتيبي ـ الحياة


التعليقات