بغداد 27°C
دمشق 35°C
الخميس 1 أكتوبر 2020

أسر تعيش في بيوت “على العضم” في دمشق وريفها


LEBANON-SYRIA-CONFLICT-REFUGEE-CHILDREN-RIGHTS 

لانا جبر

لم يجد أبو محمد وهو النازح مع أسرته من بلدة المليحة في الغوطة الشرقية منذ أكثر من عام إلى بلدة جرمانا المجاورة، سوى بيت بدون “كسوة” خال من الأبواب والنوافذ ولا يحتوي على تمديدات صحية أو كهربائية أو مياه .. إلا أنّ أبو محمد وعلى الرغم من خلو منزله من أدنى الشروط الإنسانية يجد فيه  جدراناً وسقفاً تحميه وأسرته من مذلة البقاء في الشارع، و”بيتاً” يستطيع أن يتحمل أعباء أجاره الشهري الذي يصل إلى 10 آلاف ل.س شهرياً.

ولعل حال هذه الأسرة هو حال الكثير من الأسر النازحة إلى دمشق وريفها، فارتفاع أسعار الإيجارات إلى أرقام خيالية، أجبرتهم على أن يعيشوا بين أكوام الحجارة والرمل في أبنية غير مكتملة البناء، أو في بيوت غير مكتملة الإكساء، ويدفعون لقاء ذلك إيجارات شهرية تتراوح بين 8 إلى 10 آلاف ل.س.

“أزمة السكن واستغلال حاجة النازحين تتفاقم في العاصمة دمشق وريفها الذي مايزال بعيداً عن الاشتباكات”، بهذه الكلمات عبّر مازن وهو النازح من مدينة حمص إلى ريف دمشق عن حاله وحال الكثيرين ممن في وضعه، مشيراً إلى أنه منذ استأجر منزلاً في إحدى الأرياف “شبه الآمنة” في ريف دمشق كما يصفها، وصاحب المنزل يحمله بين الفترة والأخرى وزر ارتفاع الأسعار وتقلّب الدولار، وبالتالي يرفع عليه الإيجار حيث وصل أجار منزله اليوم إلى 25 ألف ل.س، مبيناً بأن منزله قديم وبفرش متواضع، وبالتالي فهذا الرقم الذي يفرضه صاحب المنزل كبير جداً، حيث لم يكن يتجاوز أجاره 10 آلاف ل.س سابقاً.

ومن جانبه، بيّن رائد وهو نازح من حلب ويبحث اليوم عن بيت للإيجار في ريف دمشق أيضاً، أن أسعار المنازل ترتفع بين يوم وآخر، مبيناً أن منزلاً بدون فرش كان يطلب صاحبه منذ أسبوع 18 ألف ل.س كبدل إيجار، بات يطلب فيه اليوم 22 ألف ل.س، مؤكداً أنه لا يحلم اليوم بمنزل مفروش، على اعتبار أن أسعارها باتت مرتفعة جداً بالنسبة لمدخوله البسيط.

 

بيوت مشتركة

وإذا كان البعض يستطيع أن يستأجر، ويؤوي عائلته في بيت صغير مستقل، فهناك نسبة كبيرة من الأسر السورية اليوم التي خرجت من منازلها تحت القصف بأوراقها الثبوتية فقط، ولا تستطيع تحمل هذه النفقات، حيث تضطر إلى تقاسم منزل وأجرته مع عائلة أخرى، كما حدث مع عائلة أم خالد التي بيّنت أنها تتشارك منزلها مع أسرة أخرى كي  “تُقنن” في المصروف قدر المستطاع، وعلى الرغم من ذلك فإن أم خالد اعتبرت أنّ حالها أفضل بكثير من أسر أخرى تتقاسم فيها كل أربع أو خمس عائلات منزل واحد.

إلا أن هذه الحلول التي وجدتها بعض الأسر السورية في تقاسم منزل واحد إنما دفع أصحاب العقارات إلى رفع أجورهم كي يحصلوا على أكبر قدر ممكن من الأموال.

 

دمشق .. الأسعار الأعلى

وإذا كان بدل الإيجار يتراوح في الأرياف بين 20 إلى 30 ألف ل.س حسب مساحة المنزل وفرشه، فإن إيجارات المنازل في بعض أحياء دمشق تتراوح بين 45 ألف ل.س و60 ألف ل.س كحي التجارة والعباسيين وركن الدين، في حين تصل الإيجارات إلى 100 ألف ل.س في حي المزة، أما استئجار منزل في مناطق معينة يحتاج إلى تصريح أمني كالاستئجار في حي المالكي وأبو رمانة على سبيل المثال حيث تصل أسعار الإيجارات هناك إلى أرقم خيالية، لذلك فإن معظم الأسر النازحة تلجأ اليوم إلى أرياف العاصمة الآمنة أكثر من العاصمة.

ويرتبط ارتفاع أسعار الإيجارات أيضاً مع قلة في العرض، حيث وجد صاحب أحد المكاتب العقارية في دمشق أن هناك حالة من ارتفاع الطلب على شقق للإيجار ترتفع بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة، وهو ما يبرر ارتفاع الإيجارات في المناطق الآمنة بشكل عام، ولفت المصدر أنّ هذه الحالة ترافقت أيضاً مع موجة من شراء البيوت من قبل شريحة معينة من السكان لتأجيرها، حيث بات استثمار العقار مشروعاً رابحاً بالنسبة للكثيرين.

وفي هذا الإطار أشار خبير في مجال العقارات فضل عدم ذكر اسمه أنّ حالة من فوضى الإيجار عاشتها العاصمة منذ سنتين، ولاتزال هذه الفوضى تتفاقم لتتجلى اليوم في “استغلال سافر” يقوم به تجار العقارات وأصحاب البيوت لحاجة المواطنين النازحين، دون رقابة أو محاسبة من الجهات المعنية.

ولفت المصدر هنا إلى غياب أي نص قانوني يلزم صاحب العقار بتحديد بدل إيجار عقاره، حيث إن الأمور تسير بالاتفاق بين صاحب المُلك والمستأجر، وفق عقود سنوية أو نصف سنوية، وبالتالي يستطيع المالك أن يفرض السعر الذي يريده على عقاره دون أية محاسبة قانونية، وهو ما رفع قيمة بدل الإيجار لما يعادل 100%.

ولم يخف المصدر أيضاً أنّ هناك حالة من انتشار البناء العشوائي ترافقت مع فوضى ارتفاع الإيجارات، حيث انتشرت في مناطق مختلفة من دمشق وريفها بناء أسطح، أو حتى أبنية كاملة مخالفة للقوانين، “تحت إشراف البلديات التي غضّت الطرف مقابل أموال كبيرة قبضها موظفو ورؤساء البلدات من أصحاب تلك العقارات”، مشيراً إلى أنّ هذه الفورة إنما ترافقت مع ارتفاع حالات النزوح من مختلف المحافظات السورية،  وبالتالي ارتفاع الطلب على استئجار المنازل في العاصمة وريفها.

ولعل ما يجري من فوضى وانعدام رقابة في سوق العقارات، لم يقتصر على ارتفاع أسعار إيجار العقارات بشكل عام فقط، إنما ظهرت فئة من المحتالين ممن يقومون بإبرام عقود إيجار لعدة أسر بآن واحد، حيث تتفاجأ الأسرة المستأجرة للمنزل أنّ هناك عدة أسر غيرها قد استأجرت المنزل في نفس الوقت بعقود مزورة، بينما يقف النظام متفرجاً أمام تلك التجاوزات، وقد وصلت نسبة تلك العقود حسب مصادر من النظام نفسه إلى 60 % من مجمل عقود الإيجار المبرمة.

يذكر أن تقديرات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تبين أنّ عدد النازحين داخل سورية فقط وصل إلى 6.5 مليون شخص، وإن الكثير منهم شرد أكثر من مرة بعد امتداد القتال إلى مناطق كان يفترض إنها بمثابة ملاذ آمن.
 


التعليقات