بغداد 31°C
دمشق 27°C
الإثنين 28 سبتمبر 2020

«انتخابات» الرئاسة السورية: ديموقراطية البراميل المتفجرة


سوا

كثيراً ما كان نظام بشار الأسد يدعي بأن الانتخابات التي يجريها أقرب الى «العرس الديموقراطي»، الأمر الذي كان مدعاة للتندر بين السوريين كون أية انتخابات أجريت لا تمت من قريب أو بعيد للديموقراطية بأية صلة. وكانت المضافات المزينة بأصناف الطعام والقهوة، هي البرنامج الانتخابي الجاذب للناخبين في شوارع العاصمة دمشق على وجه الخصوص.

 أما «الانتخابات» الرئاسية فقد كانت وعلى مدى أعوام مجرد «استفتاء» اجباري على مرشح واحد مارس الحكم الفردي مستخدماً قبضته الحديدية التي أرهبت الناس وغيبت المعارضين المحتملين له من جهة، وأطلقت أكذوبة مقاومة وممانعة الاحتلال الإسرائيلي التي أصبحت كمسمار جحا، الذي أباح له اتباع سياسات أفقرت الناس وكبلتهم من جهة أخرى. وبعد موت المرشح الوحيد المفروض «الى الأبد»، انتقل الحكم «وراثياً» الى ابنه بعد تغيير سريع لدستور البلاد خفّض العمر الافتراضي للرئيس من 40 عاماً إلى 34 ليناسب مقاس الابن. وبالطبع لم يكن بشار الأسد الابن أفضل من أبيه، فقد استفرد بالحكم بعد أن أطلق اشاعات الإصلاح السياسي والاقتصادي ليكتشف السوريون أن كلام الاصلاح كلام صوري وطريقة لنهب ثرواتهم، اذ فوجئوا في ليل دامس بآل الاسد وآل مخلوف يطبقون على أعناقهم ومواردهم وأموالهم.

 وكانت صدمة السوريين كبيرة تجاه غباء نظام الأسد وطريقة تعامله مع احتجاجاتهم ومطالبتهم بالحرية والكرامة، بخاصة أن الثورة السورية لم تكن الاولى في ثورات الربيع العربي.

 ولكن لم يكن غريباً على نظام ديكتاتوري أن يفكر أن الحل الوحيد الذي اتبعه هو حل وصفه بالأمني أولاً تضمن اعتقالات وتعذيباً للمعتقلين حتى الموت وترهيباً وخطفاً، ألحقه بما وصفه نظام الأسد بـ «الحسم العسكري» استخدم فيه كافة أنواع الأسلحة وكان آخرها السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة والغازات السامة في محاولة يائسة لإسكات ثورة الشعب وقمعها.

 الآن، وبعد 14 عاماً قضاها بشار الأسد في القمع والجور، وبعد أكثر من ثلاث سنوات مضت مارس فيها القمع والقتل والتهجير، وعلى وقع قصف نظامه للمدنيين بالبراميل المتفجرة في محافظات عدة، واستخدام سلاح التجويع وحرمان الشعب من أهم احتياجات الحياة، يعلن نظام الأسد عن انتخابات مرتقبة في مطلع حزيران (يونيو). انتخابات لا يمكن وصفها إلا بالـ «سوريالية» ولا يمكن وصف من يعلنون عنها إلا بمرضى «الذهان». وكي تكتمل مسرحية الانتخابات الهزلية، تقدم مرشحان مواليان «مفترضان» بطلب للترشح للانتخابات قبل أن يعلن بشار الأسد تقدمه في سيناريو حبك بحبكة درامية – مخابراتية لا سابق لها لترشيح ربيب للأسد ولأجهزته الأمنية.

 والأسئلة التي تدور في خلد الكثيرين: ما الذي يتوقعه نظام الأسد من شعب صمّت آذانه أصوات الانفجارات والقصف بالدبابات والصواريخ والطيران، من ملايين السوريين الذين شردوا في بلاد اللجوء، ودمرت بيوتهم واستشهد أبناؤهم وشبابهم؟ هل يعول على أن يبادر أي سوري إلى انتخابه أو انتخاب مرشح آخر فصل على مقاس نظامه؟ ما هي المؤشرات التي يعتمد عليها نظام فاقد للشرعية يلفظ أنفاسه الاخيرة لولا دعم دول اقليمية ودولية بعينها لضخ بقايا أوكسجين في جثته؟

 قد يظن نظام الأسد أن ما أنتجه حكمه الذي استمر أكثر من أربعين عاماً من محاولة «تدجين» لشعبه مارسه طوال عقود حكمه، قد يجعل بعض النفوس تخاف من مخالفة سلطته المطلقة، وهذا هو الضامن لتوجه بعض السوريين إلى صناديق الاقتراع. وقد يظن ان القذائف التي يطلقها ويدعي أن «الجيش الحر» هو الذي يطلقها لتصدق اكاذيبه تحول الناس الى كتلة صامتة فتومئ بحركة ما نحو صندوق انتخابي تعرف انه لن يفتحه أحد، وهكذا يتناسى نظام الأسد أن الشعب السوري قد انتفض على ممارساته التي استمرت لعقود ولا مجال للعودة إلى الوراء بعد كل هذه التضحيات. فالشعب مستمر في ثورته سواء أعلن عن انتخابات أم لا. والبديهي أن نظام الأسد قد يمارس ضغوطه الاعتيادية من أجل دفع الناس إلى الانتخاب من خلال ابتزازهم ومساومتهم على لقمة عيشهم وخبزهم اليومي، لكن الشعب السوري أثبت أنه لن يقبل الذل مهما كانت الظروف.

 والسؤال الذي يدور في أذهان الشعب السوري: إلى متى يبقى المجتمع الدولي صامتاً عن ممارسات النظام وانتهاكاته؟ وما هي إمكانات أن تقف الدول العظمى إلى جانب الشعب حقاً لتمنع فعلياً مسرحية الانتخابات العبثية التي كتبت منذ فترة، وينوي نظام الأسد تمثيلها غير آبه بتنديدات وبتصريحات دولية اكتفت بـ «التحذير من تأثير إجراء الانتخابات على الحل السياسي» المأزوم أصلاً بسبب تعنت نظام الأسد؟ ومتى يمكن أن يتحول المجتمع الدولي من مجرد التصريحات النارية – التي يطلقها يومياً ولا طائل من ورائها – إلى أفعال عملية تنقذ الشعب السوري من مأساته؟

بدر جاموس ـ الحياة


التعليقات