بغداد 31°C
دمشق 27°C
الإثنين 28 سبتمبر 2020

ثلاثة فراغات سياسية


الأسد والمالكي

 هي مصادفة أن تتزامن الاستحقاقات الانتخابية في العراق ولبنان وسوريا في هذه السنة، لكن الوضع المضطرب الذي تشهده هذه البلدان لا يمكن إرجاعه إلى المصادفة طبعاً. ومع أن الإعلام يولي كل استحقاق منها اهتماماً خاصاً مع آثاره وتداعياته الداخلية على كل بلد إلا أن وقوع البلدان الثلاثة على خط زلزال واحد، هو الخط الإيراني، يغري بالربط بينها، حيث قد تحدد طريقة التعاطي الدولي معها مسار الإقليم ككل، وتحدد أيضاً الطريقة التي ستجري بها معالجة الملف السوري توافقاً أو تناحراً.

الانتخابات الرئاسية السورية هي الأقل شأناً، فنتائجها معروفة مسبقاً، وهي تأكيد على نهج النظام، وعلى النهج الإيراني أيضاً الذي لا يزال يستبعد تماماً تنحي رموز النظام في تسوية سياسية كبرى. فوز الأسد في الانتخابات لن يُعترف به من قبل مجموعة كبيرة من الدول الفاعلة، وبعضها قد أعلن من قبل أنه فقد شرعيته، أي أن سوريا من وجهة النظر هذه ستكون واقعة في فراغ سياسي، وإذا لم تبادر تلك الدول إلى محاولة نزع الشرعية عن تمثيل النظام لسوريا في المحافل الدولية فمن المرجح ألا يتم التعامل معه سوى كنظام تصريف أعمال بانتظار نضوج فرص الحل السياسي دولياً.
الانتخابات العراقية وإن انتهت نتائجها إلى تقدم المالكي، بخاصة على حساب الكتل الشيعية الأخرى، فهذه النتيجة مؤشر على احتدام التأجيج الطائفي حيث يُنظر إلى ائتلاف دولة القانون بصفته الممثل الأكثر تطرفاً وطائفية من ضمن الكتل والأحزاب الشيعية الأخرى. بقاء المالكي في رئاسة الحكومة يعني استمرار الأزمة السياسية التي عصفت بالعراق منذ توليه لها قبل أربع سنوات، بعد الالتفاف على فوز كتلة إياد علاوي بالمقدمة آنذاك. يُذكر أن عملية تأليف الحكومة السابقة أخذت شهوراً بين شد وجذب داخليين وخارجيين، ولم تكن ممكنة لولا التوافق الإيراني الأميركي آنذاك برعاية ووساطة من النظام السوري، لذا لا يتوقع أن يكون تأليف الحكومة الحالية متاحاً ببساطة أمام المالكي بعد تضخم الاعتراضات الداخلية عليه ودخوله القوي والمعلن على خط دعم النظام السوري. بقاء المالكي أو عدم بقائه في رئاسة الحكومة لم يعد شأناً داخلياً فحسب، كما تجاوزت المسألة أمر تسهيل رحيل الأميركان عن العراق الذي تطلب التفاهم مع إيران؛ هو الآن يندرج ضمن سلة أكبر من المفاوضات الشاقة بين إيران وأميركا، وضمن سلة أكبر من الصراع الإقليمي لن يكون فيه رجل تسوية بل رجل حرب، الأمر الذي يرجح فرضية عدم تشكيل حكومة سريعاً إلا إذا كانت توطئة لتسويات أخرى في سوريا ولبنان.
وحدهم اللبنانيون يقرّون منذ زمن طويل بأهمية العامل الخارجي في التوافق على شخص رئيس الجمهورية، ومن المعلوم أن الرئيس ميشال سليمان أتى إلى سدة الرئاسة برعاية دولية وإقليمية، أما التمديد المنفرد القسري لسلفه إميل لحود فقد كان من أهم الأسباب التي أودت بنظام الوصاية السوري ككل. الآن لا يخفي طرف لبناني حليف لإيران نيته الاستيلاء على مقام الرئاسة وتعيين رئيس لا يعارض مشاركته في الحرب على السوريين، بعد أن ضمن حكومة وحدة وطنية صامتة عن ذلك. لكن التفاهمات التي أتت بالحكومة، والتي تزامنت حينها مع تفاؤل بحل الملف السوري في جنيف2، لم تعد قائمة بعد انهيار جنيف2 والتصلب الذي أبداه الإيرانيون في الملف السوري، والتلويح بانتصارات في سوريا يُنتظر أن يُقبض ثمنها في بيروت أيضاً. قد يكون التمديد للرئيس ميشال سليمان حلاً لمنع الفراغ الرئاسي، سوى أن التمديد هذه المرة سيأتي كصمام أمان لعدم الانفلات الكامل ولبقاء حكومة الحد الأدنى الحالية؛ مرة أخرى في انتظار ما ستسفر عنه الملفات الإقليمية الأخرى العالقة.
في الواقع ما يجمع الدول الثلاث أكبر من تزامن الاستحقاقات الانتخابية. ليست مصادفة هنا أن يلوّح حزب الله بالحاجة إلى مؤتمر تأسيسي لبناني. ما يجمع الدول الثلاث هي محاولة الانقلاب عليها، وتكريس تبعيتها المطلقة للنفوذ الإيراني. الحدث السوري، إذا نحينا جانباً أبعاده الداخلية، أتى ليخلخل التوازنات السابقة، وعلى الضد مما يُشاع عن انتصارات إيرانية في سوريا فإن النفوذ الإيراني الذي كان مستحكماً هو المهدد اليوم، ومن الصعب تخيل عودته كما كان ضمن تسوية دولية وإقليمية، لذا يسعى المحور الإيراني إلى تحقيق انتصار عسكري لا لبس فيه، انتصار يكرس الهيمنة المطلقة على حدود إيران التي بلغت جنوب لبنان كما صرح مسؤول إيراني.
حتى تحين لحظة الحسم، الفراغ السياسي هو الذي سيحكم هذه البلدان، وربما سنكون على موعد مع صيف ملتهب.
عمر قدور ـ المدن

التعليقات