بغداد 16°C
دمشق 9°C
السبت 28 نوفمبر 2020

إبعاد الشباب السوري عن السياسة


شباب

واضح تماماً غياب الجيل الشاب عن ساحة العمل السياسي في كل التكتلات السياسية السورية الحالية. ومن يتابع مسيرة الخط السياسي للشباب منذ بدايات الحراك الثوري يلاحظ هذا الهبوط في الخط البياني لتفاعلهم السياسي. سابقاً، كانت كل الحركات الأهلية والمدنية بمختلف تسمياتها، والتي تتكون كوادرها الأساسية من الشباب، حريصة على أن تكون ذات رؤية واضحة تنقلها برامج عملها حتى لو لم تعترف بأنها حركات سياسية، وكان واضحاً النضوج المفاجئ لمجتمع مغيّب تماماً عن العمل السياسي.

 وقد بدأت تجمعات كثيرة تأخذ سمعتها التنظيمية وقدرتها على الحضور في الحدث كما زادت فاعليتها في خريطة الحراك المدني وتألقت على كل الصعد بجهود مميزة. هكذا كانت لجان التنسيق المحلية وحركة ١٧ نيسان وتجمع نبض وتجمع شمس والحراك السلمي وغيرها من مجموعات حملت رؤية واضحة وناضجة. وبعدما حاولت المعارضة تشكيل كيانات تعبر عن مطالب السوريين، كالمجلس الوطني وهيئة التنسيق والمنبر الديموقراطي وغيرها، كان الخطاب الأول لكل هذه المكونات أنها تمتلك الكوادر الشبابية الفاعلة على الأرض، وهي استثمرت ذلك كحالة تباهٍ بأن شرعيتهم منطلقة من هذه الكوادر الشبابية المتحمسة للعمل السياسي على رغم عدم ثقتها بأن هذه التكتلات ستكون على مستوى ما هو مطلوب منهم. وقد حاول الشباب في الكثير من هذه التجمعات أن يكونوا فاعلين بشكل حقيقي وابتكروا أساليب حقيقيّة جديدة للعمل وقدموا نماذج قد تكون مناسبة أكثر لطبيعة الحراك.

 وقد انخرط الشباب في هذه التجمعات السياسية بنماذجهم ورؤاهم ابتداءً من الهوية الى النظام الداخلي، وابتكروا هياكل تنظيمية مختلفة عما كانت تعتمده المعارضة التقليدية، مستفيدين من الهامش الذي مُنح لهم والذي كان على ما يبدو وهمياً، موحياً لهم أن المعارضة التقليدية تريد تهيئة الشباب ليكونوا في مراكز اتخاذ القرار وليكون صوتهم واضحاً في الساحة السياسية. وما لبث الكثيرون من الشباب أن أحسوا بإقصاء صوتهم من جانب المعارضة، وبحالة تعالٍ وتفرد بالقرارات، ولاحظوا يوماً بعد يوم تغييبهم بشكل واضح عن المراكز الأساسية في العمل السياسي، ما أدى في النهاية الى انسحابات جماعية، شهدتها غالبية التكتلات، لكوادرها الشبابية، فلم تطل الفترة، مثلاً، حتى كشف المنبر الديموقراطي عن تهميشه الشباب بإعلان ميشيل كيلو زعيماً له، وهذا ما تكرر في التشكيلات السياسية الأخرى.

 عزز هذا الإحباط شعور الشباب بعدم الثقة بمعظم المعارضة السياسية التي كانت تستخدمهم كصورة وواجهة تلمّع بها شرعيتها، وأدى الأمر إلى استكمال انسحابهم من العمل السياسي، فيما تعمقت الفجوة مع معارضة تعتبر نفسها صاحبة القرار وتتعامل بنخبوية جامدة كما تسعى وراء نيل الشرعية من دون أن تكون معنية في شكل حقيقي بدعم الشارع والشباب. وفعلاً انتقل الأخيرون نحو العمل مع المنظمات الدولية غير الحكومية التي اجتاحت الساحة السورية وعملت على استقطاب الكوادر الشبابية بطرق مختلفة، فيما أبعدتهم مع الوقت عن صلب العمل السياسي والثوري، وقدمت لهم حالة رضا كاذبة عن نشاطاتهم الخدمية والمدنية «الحيادية». وأدت هذه الهجرة الجماعية للشباب إلى تحويل معظم الناشطين من ثوار لثورة مصابة برضوض شديدة إلى موظفين عند منظمات من البديهي أنها غير معنية بدعم الشباب كي يكونوا ثواراً.

 هكذا، بات لنا أن نفترض أن رحلة الشباب المدني الواعي في الثورة قد انتهت، من ثوار إلى سياسيين نبذتهم المعارضة التقليدية، ومن ثم من سياسيين إلى موظفين انعزلوا عن الهم الثوري والسياسي، تستثمر كل طاقاتهم في مشاريع خدمية ليست أبداً من صُلب ثورة جريحة، تحتاج، أكثر ما تحتاج، إلى أن تستعيد الشباب إليها.

ميسا صالح ـ الحياة


التعليقات