بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

حينما يصبح السوريون ثلث سكان لبنان


AA GENEL MUDURU OZTURK BEKAA VADISI'NDE

رامز أنطاكي

 

“لا نريد نازحين سوريين وفلسطينيين يأخذون مكاننا، هو أمر يجب تكريسه بالفعل وليس بالقول، فبوجودهم وعملهم وبعيشهم يأخذون مكان اللبناني… كيف يمكن أن يتم تعليم المنهاج السوري في لبنان في بعض المدارس؟ أين سيادتنا وكرامتنا من هذا الأمر؟… إن هذا التفكير ليس عنصرياً أبداً، بل انه تفكير وطني نفتخر به… طالبنا الحكومة اللبنانية التي نحن فيها بعقد جلسة خاصة لهذا الموضوع، ]على[ أن تبحث جدياً بترحيل النازحين إلى أرضها”.

مقتطفات من كلمة لوزير الطاقة والمياه حينها في الحكومة اللبنانية جبران باسيل قبل ما يقارب العام من اليوم بحسب الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، تصريحات يجددها الوزير المنتمي إلى التيار الوطني الحر برئاسة النائب ميشال عون وهو تيار محسوب على تجمع 8 آذار، وكانت آخر هذه التصريحات قد صدرت عنه في ألمانيا مؤخراً في السادس من أيار الجاري بحسب الوكالة نفسها، حيث اعتبر “النزوح السوري عاملاً مفجراً”. من الطرف الآخر أي من جهة تجمع 14 آذار المناوئ، تطلق تصاريح مشابهة وإن بوتيرة أخف وبلغة ألين، كان آخرها عبر وزير العمل سجعان قزي قبل أقل من أسبوع، في المقابل كانت هناك ردود مستنكرة على هذه التصاريح التي وصفت بالعنصرية في بعض الأحيان.

الشارع اللبناني ليس بعيداً عن هذه الطروحات في الواقع، فبالنسبة لكثيرين باتت مسألة اللاجئين السوريين في لبنان خطراً يهدد البنى التحتية والأمن.

شانتال ربة منزل تتابع درستها الجامعية تقول: “الأمر منطقي، زيادة سكانية فاقت ربع سكان البلاد الأصليين، شكلت عبئاً على موارد الكهرباء والمياه وحتى على حركة المرور في الطرقات”، الأخطر برأي شانتال هو أمران: استحواذ السوريين على فرص العمل، ورفعهم لبدلات إيجار البيوت والشقق.

جورج الذي يدرس في الجامعة نفسها يشرح: “لبنان يستقبل اليد العاملة السورية منذ عشرات السنوات، لكن الشاب السوري الجامعي ابن الطبقة الوسطى الذي كان يقصد بلدان الخليج حين يخرج من بلده بات يقصد لبنان لينافس أقرانه اللبنانيين الذي لم يعتادوا منافسته في بلدهم من قبل”، ويشير إلى أن الطبقة الوسطى في لبنان هي الأكثر تضرراً، فعروض الوظائف تتراجع كماً ونوعاً وبدلات إيجار الشقق باتت بعيدةً عن المتناول مقارنة بالسابق بسبب إقبال السوريين عليها، “والقاعدة معروفة: كثرة الطلب تخفض كمية العرض فترفع السعر”، ويعلق جورج على تصريحات السياسيين اللبنانيين هازئاً: “أنا لا آخذها على محمل الجد، غداً تتغير التحالفات ويمسي من كان يهاجم اللاجئين وكأنه أبوهم الحنون”.

لا شك أن هناك شريحة من اللبنانيين مستفيدة من أزمة اللجوء، فتجار المواد الغذائية وأصحاب الشقق والفنادق والشاليهات والسكن الجامعي الخاص تستفيد من كثرة الطلب خاصة مع توسع نشاط المنظمات الإغاثية التي تقدم الرعاية للاجئين السوريين، أبو مصطفى تاجر حبوب ومواد غذائية في أحد أسواق بيروت تحدث عن تعاونه مع أحد المنظمات الدولية: “أورد سللاً غذائية تلبي حاجة هذه المنظمة التي توزعها على عائلات سورية، يعلم الله ما أفعله كي أساعد هذه العائلات ضمن إمكانياتي”.

محمد ص. مواطن سوري حلبي يقيم وعائلته في منطقة مار الياس البيروتية، يعترف بأن حجم اللجوء السوري يشكل ضغطاً هائلاً على بلدٍ مثل لبنان، لكنه يقول: “ما الحل، نعم نشكل مشكلة هنا، لكن هل تستطيع أن تقول لهاربٍ من الموت لا تأتي فبلدنا صغير لا يحتمل؟؟”، ولا ينسى محمد أن يشير إلى أن بعض اللبنانيين برأيه يرون الأمر من زاوية طائفية، فكما كان اللاجئون الفلسطينيون يعتبرون لدى البعض ثقلاً عددياً سنياً في لبنان قبيل وأثناء الحرب الأهلية اللبنانية، بل وربما حتى الآن، يعتبر هؤلاء أنفسهم أن الوجود السوري اللاجئ في لبنان يشكل ثقلاً مماثلاً في بلدٍ محتقن سياسياً وطائفياً، خاصة مع مشاركة حزب الله الشيعي إلى جانب قوات النظام السوري في قمع الثورة هناك.

وبالحديث عن الجانب الأمني تسخر تريز ابنة عين الرمانة من المخاوف المتعلقة بهذا الشأن: “هل يشكل اللاجئ السوري خطراً علي مثل ذاك الذي كان يشكله جيش النظام السوري ومخابراته حين كانوا في لبنان؟ كانوا يعتقلون الناس من بيوتهم دون أن يجرؤ ضابط لبناني على التدخل، لا لست خائفة من اللاجئ أمنياً، أنا متعاطفة لا خائفة”، وتعتبر تريز أن إلقاء مسؤولية كل المشاكل في لبنان على كاهل السوريين اللاجئين أمر غير منطقي، كما تستنكر إجراءات بعض البلديات القاضية بمنع تجول السوريين ليلاً، معتبرةً إياها إجراءات عنصرية عدا عن أنها غير مفيدة، خاصة مع ثقتها بأن السوري لن يبقى في لبنان كما الفلسطيني الذي لا يملك أرضاً يعود إليها.

أما حسان الصناعي الدمشقي الذي خسر معمله وانتقل وعائلته إلى بيروت فيذكر نفسه ومواطنيه على حد تعبيره: “الزمن دوار! ألسنا نحن من حملنا من أتانا لاجئاً من العراق قبل سنوات مضطراً مسؤولية زيادة معدل الجريمة والسرقات، وارتفاع أسعار المواد الغذائية وبدلات الإيجار؟ ألم نتهمهم بصفتنا أولاد دمشق أنهم يغيرون هوية أحياءنا؟؟”، يقول حسان أن الكيل بمكيالين لا ينفع، فما اتهمنا به العراقيين في سورية نتهم به اليوم في لبنان، مطالباً مواطنيه السوريين بتفهم واستيعاب مشاعر اللبنانيين، كما يطالب اللبنانيين بتقدير صعوبة ظرف السوري والصبر عليه، “أنا أول من سيعود حين تهدأ الحال دون أن أنسى فضل هذا البلد الذي استقبلني رغم كل شيء”.

لبنان بلد يتعايش دوماً مع الاضطرابات والأحداث المتنوعة أمنياً وسياسياً وطائفياً، ولا شك أن هناك مصلحة لجزء من الجمهور السياسي وقبلهم القادة السياسيون في إلقاء المسؤولية عن بعض الأزمات والمشاكل على جهة أخرى لتتحملها، وللأسف كان اللاجئون السوريون هم الطرف الأنسب والأضعف في المعادلة اللبنانية الحالية مما أهلهم ليكونوا شماعة يعلق عليها الكثيرون مشاكلهم وأزماتهم.

 

 


التعليقات