بغداد 15°C
دمشق 9°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

“ما عم اتذكر”… ذاكرة سجن صيدنايا على خشبة مسرح


1

جود حسون

حوار صحفي على خشبة مسرح، حوار يحاول مسرحيون سوريون أن يجعلو الخشبة بيئة له، فيؤطرونه تارة بالعرض، ويحاولون فتحه ليصبح حواراً بمعزل عن فن الفرجة المحكوم به، من خلال خشبة وإضاءة وجمهور.. جمهور كان قادراً على رؤية العمل كحوار بشكل فطري، ولم يستغرب أحد مداخلة أحد الحاضرين بطرح سؤال على البطل… بطل عرض “ما عم اتذكر” الذي قدم على خشبة مسرح دوار الشمس في بيروت مؤخراً.

“حسان عبد الرحمن” سجين سوري سابق في سجن صيدنايا المعروف بكونه من أكثر أقبية الاعتقال السياسي ظلاماً في العالم، يروي قصة حياته مقابل ممثل يلعب دورين أوضحهما للعيان دور المحاوِر “المذيع” الذي يجري حواراً مع المعتقل السابق، ودور المعتقل ذاته عندما يتحدث بلسانه جملاً كان قد قالها له سابقاً، يحاول من خلالها تحريض ذاكرته ووضعه أمام مفارقات إنسانية معينة، مع العلم أن بيئة الحوار من المفترض أنها لا تسمح باستحضار ما هو خارج نطاق النص المكتوب الذي تؤديه الشخصيات ـ ذلك إن أعدنا العمل ككل إلى صورته المسرحية ـ .

لم يخفَ على مخرج العمل أن الجمهور وحده قادر على متابعة ما يجري أمامه وفق الإطار الذي ينتقيه، فهو يدرك تماماً أن ما يلفت الجمهور في العرض هو حديث المعتقل، وخاصة تلك القصص التفصيلية الجميلة والكوميدية في أسلوب سردها، فلا يهم ما جهزه القائمون على العمل من إضاءة أو شاشة فيديو تحاول الظهور كسينوغرافيا خجولة أمام سيرة معتقل، السيرة التي يريدها الجمهور بالضبط، وأمام تعلق الجمهور بسرديات المعتقل وقصصه وإدراك المخرج لهذا الأمر مسبقاً، كان لا بد أن يضع الخشبة جانباً، أو أن يقدمها بصورة لا تطغى عن التداعي الحر أحياناً للبطل “المعتقل”، بحيث لا ديكور واضح المعالم ولا إضاءة لأكثر من بقعتين إحداهما للبطل “المعتقل” والأخرى للمحاوِر الذي يحلس خلف طاولة صغيرة وأمامه مجموعة من الأوراق التي حضرها بعد جلسات طويلة مع المعتقل، بينما يجلس البطل على كرسيه قريباً وظهره للجمهور، ليجيب عن الأسئلة التي سبق وأن أجاب عليها خلال عام من الجلسات التي جمعته بفريق العمل.

ينطلق حديث “البطل” من سجن صيدنايا الذي دخله عام 1986 على خلفية نشاطه السياسي في حزب العمل الشيوعي بعد أن قضى سنوات من التخفي، ثم يسترجع ما قبل السجن وما بعده، حيث تفصل الزنزانة ما بين حياة وأخرى، السابقة كانت بين مدن سورية من حلب التي درس بجامعتها الطب البشري إلى حمص فدمشق التي اعتقل فيها، ثم ينتقل إلى 1995 بعد خروجه من السجن ليسافر إلى فرنسا، ووتتحول صيدنايا بذهنه إلى ذاكرة الألم الحاضر في حديثه اليومي.

السجن هو مفصل السيرة الذاتية لدى حسان عبد الرحمن، ولم يحضر على لسانه بهيئته الكلاسيكية، هو يدرك أنه لا يقوم بتوثيق انتهاكات النظام السوري تجاه السجناء، ولا يتحدث عن أساليب التعذيب والضغط والتجويع وسواها، فهو الآن أمام جمهور ينتظر منه ما يتناسب مع حالة فنية “ممتعة”، لذا فقصة القطة لوسي التي كانت صديقة السجناء، وقصة السجين الذي يزعج زملائه كل يوم في الليل بقضائه حاجته، هما ما يمكن للمعتقل تقديمه كخلاصة سنوات كارثية من الجيد أن يبحث فيها عن جمالية ما.

وفي حديث الحب والأسرة يحضر المسرح ربما للمرة الوحيدة خلال العرض، حيث يقترب المحاوِر “الممثل هذه المرة” من البطل ويجلس وجهاً لوجه معه تحت إضاءة صفراء ضعيفة، ليبدأ البوح بعلاقته البسيطة مع حبيبته التي أصبحت فيما بعد زوجته، ومن ثم الحديث عن الأسرة التي كانت اعتادت على زيارة السجون منذ 1971 حيث كان والد المعتقل معتقلاً في سجن المزة العسكري بدمشق.

وتتولى شاشة العرض مهمة الديكور المسرحي، حيث تحضر ككادر لم تظهر له وظيفة حقيقية إلا بعرض صور قديمة للبطل مع أسرته، بينما يتم استغلالها قبل عرض هذه الصور في تقديم مشاهد متقطعة من عروض عسكرية حضرها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد… وتتحول الشاشة للوحة يكتب عليه المحاوِر تعقيبات بسيطة أهمها، أن ما يجري الآن هو عرض مسرحي يتضمن حواراً، فيكتب

ـ هو عرض مسرحي يعني؟

أيه.

ـ إذا مسرحية ما لازم تكون أكتر من ساعة.

هوي هيك

وكأن تلك الأسلئة طرحها البطل قبل أن يعرف السبب الداعي إلى تلك الحوارات التي يجريها معه القائمون على العرض، والتي استغرقت أكثر من 60 ساعة خلال عام بحسب مسؤولة السينوغرافيا في العرض بيسان الشيخ.

وتروي الشيخ في حديث لموقع الحل السوري بعد العرض، أن العمل بدأ من خلال مقابلات مع المعتقل في مكان إقامته بمدينة ليون الفرنسية التي تقيم فيها هي ومخرج العرض وائل علي، المقابلات التي تحدث فيها عن سيرته “التي تتقاطع مع ما يجري في سوريا اليوم”.

حسان عبد الرحمن “ليس ممثلاً” لذا فالعرض قريب على كونه حوار وعلى كونه مسرحية.. هو بمثابة تقديم شهادة على خشبة المسرح وهو “نمط حديث” في المسرح وفق الشيخ.

ما عم اتذكر:

نص وإخراج: وائل علي

سينوغرافيا: بيسان الشيخ

أداء: أيهم مجيد آغا ـ حسان عبد الرحمن

مسرح دوار الشمس ـ بيروت

 


التعليقات