بغداد 10°C
دمشق 8°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020

الموت بسبب نقص الدواء…. صورة أخرى للمأساة السورية


Syrian health workers administer polio vaccination to a girl at a school  in Damascus

لانا جبر

 

لم تستطع السيدة ( ر.ب) تأمين خافض حرارة لطفلها الرضيع الذي لم يبلغ العام من عمره بسهولة، حيث استهلك الأمر منها جولة طويلة على معظم صيدليات دمشق لتجد علبة واحدة في إحداها، ولعل معاناة (ر.ب ) لم تتوقف في تأمين هذا الدواء “البسيط” كما أشارت، حيث إنّ معظم أدوية الأطفال باتت نادرة في الصيدليات وتباع بأضعاف سعرها إن وجدت.

مشكلة الدواء في سوريا اليوم لا تقتصر فقط على أدوية الأطفال، إنّما تحولت إلى مشكلة تتأزم يوماً بعد يوم بدأت تظهر جلياً منتصف عام 2012، واعترف بها وزير الصحة في حكومة النظام لإحدى المواقع الموالية، حيث بيّن أنّ هناك 22 صنف دوائي مفقود في السوق السورية، وأشار وقتها بأن الأدوية المفقودة لاتهدد الحياة.

بعد عام من هذا التصريح بدأت نسبة الدواء المفقود في سوريا تزداد لتصل إلى أدوية السكري والسرطان وغيرها، والتي تقف الدولة عاجزة عن تأمينها، وهي تهدد حياة الكثيرين من المرضى، وأوضح أحد الصيادلة في العاصمة أنّ هناك نقصاً واضحاً في كميات الأدوية الموزّعة عليهم بمختلف أصنافها، مشيراً إلى أن بعض الأصناف باتت شحيحة كدواء السعال وبعض أنواع الفيتامينات كفيتامين B ، والمسكنات بالإضافة إلى أدوية مرضى السكري وأدوية الالتهابات.

ولم يخفي الصيدلي أنّ تأمين الدواء بات مهمة صعبة عليهم وعلى المريض نفسه، حيث إنّ بعض المرضى ممن يعانون أمراضاً تحتاج إلى تناول أدوية بانتظام باتوا يلجؤون إلى أسواق لبنان والأردن لتأمينها.

وأكدت رنا وهي صيدلانية في ريف دمشق أنّ “وضع الدواء سيئ” لدرجة أنّ ما تبقى من معامل أدوية باتت توزّع الدواء للصيادلة بدون علب تخفيفاً للمصاريف، وبالتالي فإنّ معظم الأدوية التي تعطى للمواطنين اليوم في سوريا تباع بـ (الظرف) وبدون النشرة المرفقة، وهو ما وصفته الصيدلانية “بالأمر الخطير”، على اعتبار أنه يسمح بالتلاعب في الدواء من قبل مصنعي الأدوية الذين يبيعون الدواء بدون ختم الشركة أو المعمل المصنع على العلبة.

ولعل مرضى القلب والسرطان اليوم هم أكثر المتضررين من شح الدواء حيث يعانوا الأمرين في الحصول عليه أو تأمينه، وهنا أكّد أحد أطباء القلب بدمشق بأن دواء (النتيروغليسرين) مفقود تماماً من السوق السورية، وهو ضروري جداً لآلام الصدر في حالة الاختناق حيث لا بدائل عنه في سوريا.

أما بالنسبة لأدوية السرطان فإنّ شح الأدوية بدأ من مشفى البيروني الذي يعتبر المركز الحكومي الرسمي في دمشق الذي يعالج مرضى السرطان، ويقدّم لهم الجرعات اللازمة، حيث أشار شقيق أحد المرضى بأنّ معاناتهم مع تأمين الجرعات لأخيه في المشفى بدأت منذ أواخر العام 2012 عندما طلبت منهم الإدارة في إحدى المرات شراء الجرعات المرتفعة الثمن من القطاع الخاص، لتتفاقم الأزمة أكثر خلال السنتين الماضيتين حتى وصل بهم الحال إلى صعوبة تأمين الدواء، والوصول إلى المشفى التي تحولت إلى منطقة اشتباكات.

ومن جانب آخر، أشار ماجد وهو مواطن في دمشق إلى أنّ مشكلة الدواء لا تقتصر على الصيدليات فقط إنّما أيضاً على مشافي العاصمة، فبعد إجراءه عمل جراحي مؤخراً في إحدى المشافي الخاصة كان الأطباء يطلبون من ذويه شراء المسكنات والمعقمات والشاش من خارج المشفى مبررين ذلك بعدم توافرها لديهم، مبيناً أن هذه المشكلة باتت واقعاً عاماً لمعظم مشافي دمشق.

ولعل هذا الواقع إنّما تسعى وزارة الصحة للسيطرة عليه من خلال تصريحات مسؤوليها واعترافهم بأزمة الدواء تارة، وتطمين المواطن بأنهم يبرمون عقود مع بعض “الدول الصديقة” كما يصفونها تارة أخرى، ولكن دون نتائج على الأرض، وهو ما أكده رامز موزّع أدوية في دمشق، والذي بيّن أنّ الأدوية المفقودة في السوق السورية تتسع رقعتها بينما لاوجود لأي أثر إيجابي في العقود التي يبرمها النظام مع روسيا وإيران وغيرها من الدول لسد فجوة النقص في هذا المجال.

ولم يخفي رامز أنّ هذه المشكلة إنما تسمح لشركات الأدوية التي لاتزال تنتج بعض الأصناف الدوائية من استغلال الصيادلة من جهة و المواطن من جهة أخرى حيث تفرض بعض تلك الشركات على الصيدليات شراء أصناف دوائية قليلة الاستخدام مقابل تقديمها لبعض الأصناف الدوائية الضرورية ، بالإضافة إلى قيامها برفع أسعار الادوية، وهو ما ينعكس على المواطن أيضاً مستفيدين من حالة الفلتان العامة في الأسواق.

وفي هذا الإطار ذكرت إحدى المواقع الإلكترونية المرتبطة بالنظام أنّ صعوبة تأمين بعض أنواع الأدوية والحصول عليها شكّل ظاهرة جديدة اسمها “السلة الدوائية”، من قبل مندوبي بعض شركات الأدوية، حيث يتم فرض شراء عدة أصناف من الدواء غير المطلوبة والقريبة من انتهاء الصلاحية، مقابل حصول هؤلاء الصيادلة على بعض الأدوية القليلة التواجد والمطلوبة.

ولعل غلاء أسعار الدواء تكاد تكون مشكلة بحد ذاتها أيضاً بالنسبة للمواطنين ، وجاء هذا الارتفاع من مصدرين أولهما استغلال بعض الصيادلة والشركات المصنعة لحاجة المرضى فرفعوا أسعارهم، ثم قامت وزارة الصحة في حكومة النظام بإصدار قرارالعام الماضي رفعت خلاله أسعار الدواء السوري بنسبة 50% للأدوية التي سعرها 100 ل.س وما دون، و25 % بالنسبة للأدوية التي يزيد سعرها عن مائة ليرة سورية.

وضع سيئ في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة

أما في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة فإن أوضاعها ليست بأفضل، فتعاني المشافي الميدانية فيها من نقص في الأدوية والمعدات الطبية بشكل عام، وإن كان الأمر يختلف من منطقة إلى أخرى.

وفي هذا السياق أوضحت إحدى الناشطات في المجال الطبي أنّه لطالما كان نقل الأدوية إلى المناطق “الثائرة” مع بداية الأحداث في سوريا عام 2011 جريمة اعتقل بسببها مئات الناشطين، حيث عانت تلك المناطق من قيام النظام بحرمانها من الأدوية والمعدات الطبية.

وبيّنت أنّه بعد خروج مناطق كاملة عن سيطرة النظام خلال السنتين الأخيرتين بدأت القوى المعارضة في تلك المناطق الاستفادة من المشافي والمستوصفات ومعداتها الطبية المتواجدة أصلاً في مناطقها من أجل إجراء بعض العمليات الجراحية للمدنيين أو العسكريين.

.. لكن مشكلة الدواء بقيت قائمة حسب ما تابعت الناشطة، حيث تعاني تلك المناطق من نقص دائم في المعقمات ومضادات الالتهاب، ومفجرات الصدر، وأدوية السكري والسرطان، هذا فضلاً عن غياب أدوية وحليب الأطفال في تلك المناطق، لافتة أنّه يتم إدخال هذه الأصناف الدوائية بين الفترة والأخرى عبر قنوات التهريب التي تستخدمها الكتائب عند إدخال السلاح .

ونوّهت الناشطة هنا أنّ انتشار الالتهابات في تلك المناطق أحياناً يدفع الكوادر الطبية إلى القيام بعمليات بتر لأقدام أو الأيدي لبعض المصابين للمحافظة على حياته بدلاً من انتشار الاتهاب في جسده.

ولعل مرور أكثر من سنتين على حصار النظام لبعض المناطق دفع الأطباء فيها إلى إيجاد بعض الحلول الجزيئة، وبينت الناشطة أنهم قاموا بالعديد من العمليات الجراحية للمرضى بتقنيات ومعدات بسيطة انقذت حياة الكثير من المرضى، مؤكدة أنّ إمكانيات المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة تختلف من منقطة لأخرى فهناك مناطق مثل الغوطة الشرقية استطاعت تنظيم نفسها من الناحية الطبية أكثر من غيرهها كجنوب دمشق حيث يعتبر الوضع الصحي أسوأ بكثير.

يذكر أن الاتحاد الأوروبي قدّر على لسان مفوضيته لـ”شؤون المساعدات الإنسانية والاستجابة للأزمات” عدد ضحايا الحرب السورية بأكثر من 360 ألف شخص، قضى منهم حوالي 200 ألف شخص بالأمراض المزمنة، وذلك بسبب سوء الرعاية الصحية وشح الإمكانات الطبية..

وقالت المفوضية في تقريرها إنّ المدنيين في سوريا ليسوا فقط ضحايا لهجمات قذائف الهاون، والبراميل التي تلقيها الطائرات، وتبادل إطلاق النار، بل إن هناك من حرمتهم الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات من الحصول على العلاج المناسب حتى ماتوا، هناك حرب خفية أخرى تختبئ خلف صور الدمار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التعليقات