بغداد 35°C
دمشق 28°C
الإثنين 21 سبتمبر 2020

أكبر الخاسرين


1

التقى مرشحان تعيسان في مهزلة الانتخابات السورية الجارية لتعزيز مقولة “إلى الأبد بشار الأسد”.

 

ديفيد كينِر / موقع السياسات الخارجية الـ (ف ب) ـ 2 حزيران 2014

ترجمة : موقع الحل السوري

 

بيروت: إننا في موسم الحملات الانتخابية في دمشق، والشوارع مزينة بملصقات للرئيس السوري بشـار الأســد حيث يلوح مبتسمـاً ببذلته الرسمية فـي إحداها، وفي أخرى يرتدي الزي العسكري محدقاً بعيداً من خلف نظارات الطيار الشمسية.

حتى أنه تصور في إحدى حملات الإعلان كأنه في لعبة شطرنج، فالمشهد يظهر جبهة على رقعة الشطرنج، حيث تظهر الدول المناهضة للأسد محتشدة في جانب واحد من رقعة الشطرنج ضد سوريا، ووحدها التي تظهر في الجانب الآخر من الرقعة _ ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا ودول الخليج العربي _، أما مجريات اللعبة: تقوم الدول المتحالفة ضد سوريا بوضع أحجار الشطرنج بشكل طبيعي، أما الجانب السوري فيتكون حصراً من بيادق متعددة الألوان.

وعندما يقوم أعداء الأسد بتحريك أحد أحجار الشطرنج، يختصر الفيديو التشنج والعنف الحاصل في العالم العربي مؤخراً، فيعرض الصدمة والرعب الحاصلة في العراق عام 2003، وحرب تموز في لبنان عام 2006، وحرب غزة عام 2008، أما الجانب الأسدي فيكافح مع جندي هنا وقلعة هناك، وتصبح اللعبة صاخبة عندما تُعزف الموسيقا التصويرية المثيرة في خلفية الفيديو، فمع حركة الجانب السوري، يضرب اللاعب الإسرائيلي يديه بقوة محبَطاً، ويحل اللاعب الفرنسي ربطة عنقه.

وفي نهاية الفيديو، يلعب أعداء الأسد ما يعتقدون أنها حركة فوزهم.. أما ما يحكيه الفيديو هو “حرب عام 2011 على سوريا”، ويشترك لاعب الخليج العربي مع لاعب إسرائيل بتشبيك يديهم عالياً، وتبدأ أحجار الشطرنج تتطاير من على رقعة الشطرنج، ويحرك اللاعب الإسرائيلي ملك فريقه مقهقهاً، وتُسمع صيحات الأطفال في الخلفية.

لكن شيء ما يتغير بعدها.. السوريون يجتمعون من جانبهم، واضعين أيدي بعضهم ببعض.. في النهاية سيعملون معاً. تتحرك عدسة الكاميرا لتظهر أن هذه ليست رقعة شطرنج عادية، إن القوات المعادية للأسد تُواجَه من قبل عشرات الصفوف من بيادق السوريين، البعض منهم مموه بالألوان العسكرية، موزعين على المربعات التي يحتلها العلم السوري، وتردد حملة الأسد الإعلانية “سوا أقوى”.

انتخابات الأسد التي ستنتهي بإعادة انتخاب الأسد، سوف تعقد في الثالث من حزيران، وقد استنكرت الولايات المتحدة وحلفائها الاقتراع معتبرةً إياها مهزلة.

على أية حال يعتبر الاقتراع بالنسبة لنظام الأسد فرصة لعرض سيطرته الواسعة على عدة مراكز مدنية في البلاد، ولإبراز دعمه المستمر من قبل فئات الشعب.

سيتم الاقتراع فقط في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، حيث تم خلال الأشهر الماضية دفع الجيش السوري بقوة للسيطرة على مناطق جديدة وتوقيع هدنات محلية مع المجموعات الثائرة، ذلك قبل الاقتراع، وقد ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أنه وفي هذه الأثناء قامت الجماعات الجهادية داعش “دولة الإسلام في العراق والشام” بمنع المواطنين من مغادرة مدينة الرقة ذلك لمنعهم من التصويت. أما عبر الحدود، فقد تدفق عشرات الآلاف من السوريين الأسبوع الماضي إلى السفارة السورية في لبنان ليصوتوا في الاقتراع الغيابي في الانتخابات.

أظهرت العملية الانتخابية الإهمال لقوانين التصويت العادل، حيث قام متطوعون بوضع أوراق الاقتراع في أيدي أي شخص قريب منهم، ويقوم الناخبون بوضع أوراق اقتراع مضاعفة على نحو نظامي، غير أن هذه الحقيقة لم تؤدي إلى تثبيط مشاعر الانتصار لدى النظام السوري.

صدح عنوان في صحيفة تشرين المملوكة من قبل الحكومة السورية، “يصوّت السوريون في لبنان بأغلبية ساحقة لإرادة الشعب، والحرب على الإرهاب”. أما في تقرير لصحيفة الثورة التابعة لحزب البعث السوري كتب: “حوّل الناخبون العملية الانتخابية إلى عرس وطني”. الكثير من الذين صوّتوا للأسد أظهروا أنهم مؤيدون أصيلون للأسد. وقد أظهر آخرون أن ما دفعهم للانتخاب هو الإشاعات واسعة الانتشار القائلة أنهم إذا قاطعوا الانتخابات، لن يكونوا قادرين على العودة لسوريا، ولكن سواء كانوا الناخبون في السفارة السورية خارج بيروت مندفعين أو مجبرين على الانتخاب، ثمة شيء واحد مشترك بينهم: جميعهم وضعوا إشارة الاقتراع في المربع الواقع تحت صورة الدكتور بشار حافظ الأسد وأهملوا صورة المرشحين المهمشبن المجهولين بشكل كبير بجانبه.

بالرغم من أنه ليس لدى أي من المرشحين المنافسين للأسد، رجل الأعمال حسان النوري وعضو مجلس الشعب الشيوعي ماهر حجار، أية فرصة ليُنتخب أحدهم رئيساً، إلا أنه بمجرد كونهم أول مرشحين سمح لهما بالوقوف مواجهين لأربعة عقود من حكم عائلة الأسد، هذا يسلّط الضوء على القضايا التي يعتبرها النظام مفتوحة للنقاش.. وهو ما لا يحتمل أية معارضة. وقد أعرب كلٌ من المرشحين دعمه لجهود الأسد في سحق أي تمرد ضد حكمه، واصفين المعارضة المسلحة بأنها تتكون من متطرفين إسلاميين وجهاديين أجانب في المقام الأول، هذا ما صرّحا به خلال مقابلات صحفية أجراها صحفي يعمل السياسات الخارجية الـ (ف ب)، داخل سوريا. لكنهما أيضاً أعربا عن انتقادات صريحة أحياناً للأسد نفسه في ما وصفوه سوء إدارته للاقتصاد وحصر نفوذ السلطة ضمن زمرة صغيرة من المؤيدين.

حسان عبدالله النوري، الذي يترأس حالياً المبادرة الوطنية للتسامح والتغيير مع النظام في سوريا، ويعمل عميداً لكلية إدارة الأعمال في سوريا، وكان وزيراً سابقاً للتنمية، وعضواً في مجلس الشعب السوري. وقد نفى أن يكون أشخاص من النظام السوري قاموا بتقديم عرض بحوافز سياسيه عليه في مقابلة أجرتها الواشنطن بوست، واكتفى بالقول أنهم تقرّبوا منه ليسألوه إذا كان راغباً في خوض المنافسة، ولكونه رجل أعمال ناجح أضاف قائلاً: “عشرة وزراء لا يمكنهم الحصول على ما أكسبه كراتب”. وترمز حملته الانتخابية إلى التحرير الاقتصادي، وتفخر لوحاته الإعلانية بأنها الشعارات الأقل إلهاماً… “تطوير التشريعات الاقتصادية”.

وقد نشرت وسائل إعلام الدولة وتقارير صحفية لاحقة سيرته الذاتية قائلة أنه حصل على شهادة الدكتوراه في الإدارة العامة من جامعة جون كينيدي الواقعة في كاليفورنيا، وبخصوص ذلك قامت الجامعة بإعلام الـ (ف ب) أنه ليس لدى الجامعة أي سجل باسمه وأنه لا تتوفر لدى الجامعة برامج دكتوراه، وللنوري صورة في موقع المدرسة الدولية لإدارة الأعمال وهو يجلس في لجنة استشارية، كما ينشر الموقع السيرة الذاتية للوزير السابق والتي تحتوي على صورة من شهادته والتي تمثل حضوره في جامعة كندي الغربية. هذه الجامعة غير المعتمدة والتي مقرها وايمونج، كانت في عام 2004 مركزاً لتحقيق فيدرالي، وكانت “مصنع للشهادات الجامعية” حيث كانت تمنح شهادات في الحد الأدنى من المجهود والعمل، وقد أُجبِرت على غلق أبوابها عام 2009.

 

وتحدث النوري لـ (ف ب) قائلاً: “حان انتهاء عهد الحاكم الوحيد” وإن حكم الأسد أدى لظهور “اقتصاد 100 عائلة، وأضاف أن هذه العوائل تسيطر على غالبية ثروات الدولة، في الوقت الذي كانت فيه الطبقة المتوسطة قد انهارت.

ركز النوري جهوده لمكافحة الفساد وتحسين اقتصاد البلاد باعتبارها إستراتيجية لتعزيز النضال السوري ضد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال: “الإدارة الأمريكية تعرف جيداً أنه لا توجد طريقة لاختراق سوريا عسكرياً”، وأضاف: يمكنها فقط خرقها اجتماعياً، ذلك بسبب التفوق العلمي، حيث أشار إلى أن “دمشق بإمكانها المراوغة من خلال الإصلاحات الداخلية، والتعمق في التعاون مع روسيا”.

وعندما يتعلق الأمر بالإصلاح السياسي وقمع النظام المستمر لمعارضته الداخلية، ليس لدى النوري ما يمليه سوى الثناء للأسد، وبشّر البلاد بدستور “متوازن وحديث”، كفتح المجال للتعددية السياسية في البلد، وأضاف بأن الانتخابات القادمة ستكون “ديمقراطية ونزيهة في الطريق السوري”.

كما انتقد كل من الولايات المتحدة والمعارضة السورية بكونهما على وشك التعرض لهزيمة مذلة، واتهم رئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا بسرقة أكثر من 75 مليون دولار من خزائن المعارضة، وأضاف قائلاً: أنا متفائل ببلوغ النصر قريباً، فالائتلاف الذي يعمل في الوقت الراهن قد تسرب الفساد إليه.

يؤيد ماهر حجار، مرشح المعارضة المأذون له من قبل النظام، الرؤية الاقتصادية المخالفة تماماً للنوري.. وربما خطاباته حول مكافحة الولايات المتحدة وإسرائيل هي أكثر حدة من خطابات الأسد.

الحجار، هو ممثل الحركات اليسارية السورية المتشددة، انضم إلى الحزب الشيوعي السوري عام 1984، وتركه لاحقاً عام 2000 ليصبح جزءاً من القيادة الشيوعية في حلب. ثم شكّل حزب الإرادة الشعبية وفاز بمقعد في البرلمان في الانتخابات البرلمانية عام 2012 في قائمته الانتخابية. ومع ذلك، عقب إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية، أكد الحزب أن الحجار لم يعد عضواً في الحزب، وفي هذه الأثناء أعلن الحزب الشيوعي السوري، بقيادة عائلة بكداش الموالية القديمة للنظام، دعمه للأسد في الانتخابات الرئاسية.

وهاجم الحجار في مقابلة له مع الـ (ف ب) السياسات الأميركية في جميع أنحاء العالم، بحجة أن العدوان كان يخطط له ضمن النظام السياسي للولايات المتحدة، وأن “واشنطن تتنفس من خلال رئة حديدية هيكلها الحرب والقتل، ذلك بالتعاون مع الصهيونية العالمية”، على حد تعبيره.

وكان الحجار أكثر تشدداً عند حديثه عن بلدان الخليج العربي، والتي كانت ممثلة رئيسية في تسليح وتمويل المتمردين السوريين. وقال أنه إذا أصبح رئيساً سيقطع العلاقات مع هذه الدول “الرجعية” وسينشر الربيع العربي بالعمل على إسقاط قادتهم. “سوف أدعم حركات التحرير لإسقاط الأنظمة الخليجية” حسب قوله، كما أضاف: “أخطأت حركات التحرير العربية عندما أيّدت هذه الأنظمة بدلاً من أن تعارضها”.

الحجار مثله كمثل النوري, ينتقد إدارة الأسد للاقتصاد السوري، واتهم الحكومة الحالية بالسياسات العشوائية، “تنمي حلولاً لمشاكل جزئية ويومية” بدون أساس استراتيجي. على أية حال، الحجار وبعكس النوري، يعتمد حلّه على زيادة فرض سيطرة الدولة: ودعا إلى سياسة اقتصادية تركز على “العدالة الاجتماعية”، والذي من شأنه إعادة توزيع حصة كبيرة من أرباح الشركات للعمال.

وفي هذه الأثناء: صوّتوا له، “من أجل العيش بكرامة” حسب اللوحات الإعلانية للحجار التي وجِّهت إلى السوريين الذين رأوا منازلهم وسُبل عيشهم دمرت أمامهم خلال سنوات الحرب الثلاث الماضية.

بقي الأسد في الوقت نفسه على خلاف مع معارضيه مطلقاً حملة انتخابية تدور حول كلمة سوا، والتي تعني بالعامية السورية كلمة “معاً”. تصور الحملة الانتخابية – التي نشرت على حسابات تويتر والفيس بوك والانستغرام – الرئيس السوري على أنه الحل الناجع للفوضى وعدم الاستقرار اللذان يدمران سوريا حالياً. وإن الرسالة المتفائلة بلا هوادة هي أنه بإمكان الأسد وحده إعادة البلاد إلى الأمن والازدهار. والموضوع المتكرر للحملة هو أنه على السوريين الوقوف معاً لمواجهة أعدائهم المحليين والأجانب. ومثال على ذلك إعلان “سوى أقوى”، حيث يتوحد فريق الشطرنج الموالي للأسد ليهزم التحالف المعادي للأسد في لعبة السياسة العالمية. وفي إعلان آخر من حملة الأسد الانتخابية يحمل عنوان “سوا ضد الإرهاب”، يعمل السوريون معا لإسقاط جدار من الغرافيك ويسمحوا حينها لنور الصباح بإنارة منازلهم. أما في إعلان ثالث يدعو لـ ” سوا بنعيد تعمير البلد” يظهر عمالاً أقوياء يتعاونون لإعادة بناء الأحياء المدمرة، ثم يحدقون عالياً بالعلم السوري.

تلح الحملة أيضاً على أن الأسد هو الزعيم الذي يمكنه قلب الضائقة الاقتصادية التي واجهها السوريون خلال سنوات الاضطراب الثلاث الماضية. وفي اعتراف ضمني بتضخّم الأرقام ثلاثة أضعاف في البلد، وهو ما أدى لصرف مدخرات العوائل على الطعام وجعل معظم المواد الغذائية الأساسية بعيدة المنال. وفي إعلان “سوا ندعم الليرة” يظهر بريق قطعة نقدية سورية تنبت في كومة تراب، وينبت بجانبها قمح وقطن.

وما لا شك فيه أن الأسد سوف يفوز بالانتخابات غداً بنسبة هائلة، سواء سيقنع السوريين بتعزيز ثقتهم بقواعد السياسة السورية الرسمية أم لا فـ – رقعة الشطرنج حيث الأسد لا يقهر – وهي مسألة أخرى تماماً. ومع أن الحملة المجملة للرئيس السوري هي أكثر من كافية لهزيمة اثنين من المنافسين، إلا أنه أحيانا زلة لسان تودي به إلى نغمة الصمم التي قادت السوريين إلى الثورة في المقام الأول، حين غرّد المتحدث باسم المرشح الذي ورث الرئاسة السورية من والده، والذي يعتمد على أفراد من عائلته ليكونوا بمثابة العمود الفقري لنظامه منذ ذلك الحين، غرّد في حملته الانتخابية: “الانحياز هو أحد الأسباب الرئيسية للفساد”.


التعليقات