بغداد 33°C
دمشق 23°C
الأحد 27 سبتمبر 2020

سوق السيارات في الشمال السوري….. حيث لا قواعد ناظمة


aleppo

رامز أنطاكي

لطالما شكل امتلاك سيارة خاصة حلماً لدى المواطن السوري العادي، فقد كانت كلفة اقتناء سيارة تتخطى حاجز المعقول في بلد كسورية، ففي حين كان الحد الأدنى للأجور يبلغ ما يقارب 10000 ليرة سورية (200 دولار أمريكي تقريباً قبل الثورة) كان سعر سيارة “شام” محلية الصنع يقارب 600000 ليرة سورية (12000 دولار أمريكي تقريباً قبل الثورة)، مما حال دون رغبة الكثيرين في اقتناء سيارتهم الخاصة.

وبعد وقوع أجزاء واسعة من مدينة حلب وريفها المتصل بالحدود التركية بالإضافة إلى أجزاء من ريف إدلب تحت سيطرة المعارضة، ظهرت تجارة سيارات جديدة من نوعها، فقد جلب بعض التجار سيارات مستعملة في غالبها من أوروبا والخليج ومصادر أخرى، وقاموا ببيعها للمواطنين السوريين الراغبين ضمن المناطق المذكورة، حيث أقبل بعضهم على شراءها لرخص ثمنها من جهة، ولعدم خضوعها للرسوم الجمركية المرتفعة التي كان يفرضها النظام السوري من جهة أخرى.

مازن أحد النشطاء المدنيين في حلب يرى أن هذه التجارة تمت “تحديداً بعد تحرير معبري بابا الهوى وباب السلامة الحدوديين، والعمل مسيطر عليه من قبل التجار”، مشيراً إلى أن هؤلاء التجار يتمتعون بعلاقات جيدة مع الكتائب المسلحة المحسوبة على المعارضة، لكن تبقى السلطة في مجال عملهم بيدهم، فبحسب قوله “المال هو السلطة الأولى”، ويتابع.. “إن السوق الأكبر لهذه التجارة يقع عند دوار سرمدا، البلدة الواقعة شمال مدينة إدلب قرب معبر باب الهوى”.

في منطقة سرمدا يعتبر معرض القنديل من أكبر معارض السيارات من هذا النوع، حيث يمكن لمن يشاء أن يطلب سيارة معينة، حيث تتوافر مجموعة خيارات واسعة تتضمن سيارات مزودة بمقود لجهة اليمين وسيارات مضادة للرصاص حتى، والملاحظ أن من أكثر السيارات انتشاراً تلك التي تعمل على وقود الديزل (المازوت)، وسيارات “الصالون” ذات المقاعد السبعة.

لا ينكر عبدو ابن ريف إدلب أن هذه السيارات تكون غالباً سيئة النوعية: “تسير السيارة لعام أو اثنين ثم (تفرط)، طبعاً لسوء حال الطرقات والنوعية السيئة للوقود المتوفر دورهما في تعطيل السيارات”، وهناك شائعات أن هذه السيارات مسروقة من بلدانها الأصلية، وهذا ما يفسر برأي البعض رخص أسعارها التي تبدأ من 2000 دولار أمريكي للسيارة صعوداً نحو 30000 دولار للسيارة التي غالباً ما تكون جديدة. ويشير بعض العاملين في هذه التجارة أن السيارات الجديدة والتي يسمونها سيارات “عالزيرو” كانت مطلوبة بكثرة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلال فترة تواجدها في مناطق الريف الحلبي والإدلبي، علماً أن الطلب على هذه السيارات بنوعيها الجديد والمستعمل قد تراجع عما كان سابقاً.

أبو حسين اشترى قبل أشهر واحدة من السيارات المعروضة في معارض سرمدا، وعند سؤاله عن مدى قانونية امتلاك سيارة مماثلة، غير مسجلة ولا تحمل رقماً أجاب: “إنها فوضى… غياب سلطة موحدة هو الذي سمح بدخول هذه السيارات رخيصة الثمن التي تمكننا من قضاء أعمالنا، حتى حين عودة الدولة يخلق الله ما لا تعلمون”، وعن العمل في حال تمت سرقة السيارة من أحدهم وكيفية إثبات الملكية يقول أبو حسين أن عقد البيع الموقع من قبل صاحب المعرض بحضور شهود، والذي يحمل اسم المشتري ورقم هيكل السيارة يكفل تحديد المالك الشرعي، ولكن لا شيء يمكن عمله إن كان السارق مسلحاً منتمياً لتنظيم مسلح ما، إلا إن كان الضحية يملك نفوذاً مقابلاً أقوى يمكنه من استرداد حقه.

زينو هو الآخر اشترى شاحنة صغيرة (بيك آب) ليعمل في نقل البضائع، ويعلق على الأمر: “هي مصدر رزقي، لم يكن أمامي حل بديل… هذه التجارة الجديدة وفرت لنا سبلاً لم نكن نحلم بها”، مشيراً إلى أن نظام الأسد الذي حرم من هم مثله من اقتناء السيارات، لم يعد يمكنه فرض قوانينه في مناطقنا الآن، “كانوا يركبون أفخم السيارات على حسابنا بينما يجبروننا على دفع ضريبة رفاهية ورسم جمركي باهظ لشراء سيارة حقيرة”.

أحد المتابعين لهذه التجارة والذي رفض الكشف عن اسمه، يكشف عن تزوير يكفل الاستحصال على دفتر للسيارة ولوحة رقم، مما يمكن صاحبها من العبور بها إلى تركيا: “مصدر اللوحة إما سيارة نظامية يبيع صاحبها لوحتها، أو سيارة معطلة بعد حادث كبير، أما الدفتر… كل شيء قابل للتزوير في الشمال”. أما عن مصدر هذه السيارات بالتحديد فيقول المصدر “أوروبا، إيطاليا، بلغاريا، دول الخليج وحتى أميركا… النوعية تتجه نحو السوء يوماً بعد يوم لتبقى المنافسة محصورة في الأسعار”، وينفي المصدر أن تكون السيارات مسروقة من بلد المصدر، لأن السلطات التركية تدقق في رقم هيكل السيارات للتأكد من كونها غير مسروقة بالإضافة إلى أن احتمال السرقة يبقى ضعيفاً، لأن السيارات المعنية في غالبها قديمة يعود تاريخ صنعها إلى عشر سنوات أو أكثر، لكن هذا لا ينفي أن تكون بعض السيارات “مضروبة”، أي أنها تعرضت في السابق لحادث خطير أو حادث غرق ثم تم إصلاحها بسرعة وبيعها.

يبدو من خلال متابعة هذه التجارة أن التجار العاملين بها يعتبرون أنهم يقدمون خدمة لمواطنيهم في المناطق المعنية بهذه التجارة، لا ينفون تحصيلهم لأرباح متفاوتة بحسب قيمة السيارة المباعة إلا أنهم يقولون أن الحاجة هي من أوجدت تجارة مماثلة، بعضهم يزور نظراءهم التجار في تركيا أو في أوروبا الشرقية مباشرة أو عبر وسطاء حيث يشترون السيارات التي يرونها مناسبة، ويحدث أحياناً أن يتم شراء القديم المتهالك من هذه السيارات بالوزن، أي كل طن وزناً يشترى مقابل مبلغ معين من الدولارات، لاحقاً يتم إصلاح السيارات المحتاجة إلى إصلاح كيفما اتفق ثم نقلها براً إلى سورية حيث تتم معاملات إخراجها من تركيا إلى مناطق الريف الحلبي والإدلبي.

ستبقى هذه التجارة سائدة ورائجة، فالسيارات سلعة ضرورية للعمل والتنقل قبل أي بعد ترفيهي آخر، ولا يبدو أن التجار والزبائن قلقون حيال الوضع غير القانوني لهذه السيارات في ظل حال الفوضى والحرب الحاصلة.


التعليقات