رامز أنطاكي
بدأت أولى أزمات المياه الخطيرة في مدينة حلب منذ مطلع آذار الماضي مع رواج إشاعة مفادها أن انتشار مرض إلتهاب الكبد الوبائي من الفئة A مصدره مياه الشرب، ليتبين لاحقاً بعد إجراء التحاليل اللازمة سلامة المياه التي يتم تعقيمها بواسطة غاز الكلور السائل، وبودرة هيبو كلوريد البوتاسيوم، علماً أن منظمة اليونيسف قامت بتوفير أجهزة تحليل ميدانية لضمان التأكد من نقاء مياه الشرب.
لاحقاً وخلال شهر نيسان توقفت المحطتان اللتان تزودان مدينة حلب بالمياه، هاتان المحطتان، محطة الخفسة ومحطة البابيري على نهر الفرات المسؤولتان عن تزويد حلب بالمياه، أعيد تشغيلهما بعد تدخل لجنة أهلية من حلب، ورافق هذا التوقف عن الضخ توقف آخر لمحطة الضخ الرئيسية في حلب في منطقة سليمان الحلبي ضمن مقر مؤسسة المياه بحلب ويعتبر أحد المعنيين العاملين في اللجنة الأهلية آنفة الذكر أن لانقطاع التيار الكهربائي عن محطات الضخ دور أساسي في توقف العمل، في حين لا يمكن للمولدات الكهربائية الاحتياطية التي تعمل بواسطة وقود، تؤمن إمداده منظمة الهلال الأحمر السوري، أن تعمل لفترات طويلة في ظل انقطاع مستمر للتيار الكهربائي، مع الأخذ في الحسبان أن محطات الضخ تتطلب كميات كبيرة جداً من التيار الكهربائي، وللأسف فإن صيانة هذه المولدات بحسب المصدر نفسه شبه مستحيلة لوقوع مقر المؤسسة في منطقة سليمان الحلبي ضمن منطقة اشتباكات.
استمر انقطاع المياه لأكثر من عشرة أيام عن المدينة، مع خرق بسيط لهذا الانقطاع على نحو متفاوت بين الأحياء بينما عرف أن السبب هو منع مسلحين محسوبين على المعارضة عمل مؤسسة المياه من تشغيل محطات الضخ، وبحسب صفحة المحامي علاء السيد الذي يتابع الشؤون الخدمية في المدينة عبر نشاطه في مبادرات ولجان أهلية عديدة فإن المسؤول عن هذا الانقطاع هو الهيئة الشرعية التي يسيطر مسلحون خاضعون لها على منطقة سليمان الحلبي، وأن هناك محاولات لضخ المياه إلى أحياء معينة في المدينة دون غيرها، مما يمكن أن يسبب بحسب المصدر نفسه أضراراً كارثية على البنى التحتية الخاصة بمياه الشرب في المدينة، وقد راجت حينها إشاعة وصفها البعض بالمضحكة، مفادها أن مسلحي الهيئة الشرعية قاموا بقطع المياه عن الأحياء التي يسيطر عليها النظام في المدينة بغرض “التسلل عبر أنابيب المياه والقيام بعمليات تفجير”.
أزمة جديدة
انتهت أزمة الانقطاع الكبرى الأولى في 13 أيار، لتلوح في الأفق أواخر الشهر عينه أزمة جديدة سببها انخفاض مستوى المياه في بحيرة الأسد على نهر الفرات حيث تقع محطة الضخ الرئيسية المسؤولة عن تزويد مدينة حلب بمياه الشرب، لعدة أسباب، وتحدث بسام حنا وزير الموارد المائية في حكومة النظام عن: “وجود مبالغة بالحديث عن انخفاض في منسوب نهر الفرات الذي تتناقله وسائل الإعلام الشريكة بسفك الدم السوري”، وقد بين أن هناك انخفاضاً طفيفاً في منسوب النهر وهي مشكلة تتكرر سنوياً ولا تستدعي الخوف لأنها تزول بمرور الزمن.
وفي أوائل حزيران نفذ مسلحون محسوبون على المعارضة تفجيراً في منطقة الميدان-بستان الباشا قيل أنه استهدف فرع المداهمة، في المحصلة خرب التفجير أنبوبين من أصل 4 أنابيب ضخمة مسؤولة عن نقل مياه الشرب من مؤسسة المياه القريبة في سليمان الحلبي إلى المدينة، وزاد الوضع سوءاً تضرر خطوط التيار الكهربائي الخاصة بالمؤسسة جراء التفجير نفسه وذلك بحسب الصفحة الرسمية لمؤسسة المياه على فايس بوك AleppoWater.
تسبب التفجير أيضاً بأضرار في شبكة الصرف الصحي، هذه الأضرار سمحت بتلوث مياه الشرب مما تسبب في حالات تسمم عديدة في المدينة جراء شرب الماء الملوث، وقد حذرت مؤسسة المياه حينها سكان مناطق كثيرة في حلب من ضرورة تجنب استعمال المياه للشرب حتى اشعار آخر.
بحسب مصادر مؤسسة المياه تتواصل جهود إصلاح الأضرار ضمن الإمكانات المتاحة ومع مراعاة الظروف الأمنية والعسكرية في المناطق المتضررة، ويبدو أن الأزمة الأخيرة في طريقها إلى الحلحلة تدريجياً، التقنين مستمر ويبدو أنه سيبقى كذلك، ولكن بما يضمن أن يحصل المواطنون على حد مقبول من احتياجاتهم.
بدائل فوق قدرة المواطن
يقول ليث وهو شاب من سكان إحدى المناطق المحرومة من المياه: “نشتري كل 6 قناني مياه بقين بمبلغ 300 ليرة”، أي ما يقارب 2 د.أ. في سعر يعتبر معقولاً مقارنة بالسعر الحقيقي خاصة في ظل أزمة مياه واشتداد الطلب على المياه المعبأة، لكن ليث يضيف أن السعر كان يصل أحياناً إلى 800 ليرة سورية أي ما يفوق 5 د.أ. ويشرح أن أغلب أنواع المياه المتوفرة هي وطنية المنشأ، مثل بقين ودريكيش والسن.
أما عن المياه المستخدمة لأغراض النظافة لا الشرب فيعبر جاك ابن منطقة السريان الجديدة عن استياءه: “يجب أن يكون لديك واسطة ثقيلة كي يأتي صهريج من الإطفائية ليعبئ لك خزان المياه في منزلك، أو عليك أن تدفع مبلغاً ليس بالقليل”، تتوفر المياه أيضاً عند بعض الآبار في الجوامع والكنائس وبعض الأماكن الأخرى كمركز شركة سيرياتل للإتصالات الخلوية في مسبح نادي الحرية، “هذه المياه مجانية ولكن عليك أن تنتظر وقتاً قد يكون طويلاً ليحين دورك في تعبئة البراميل أو العبوات التي جلبتها معك” يقول جاك.
في الكنائس يقوم شبان منتسبون لحركات كشفية أو أخويات بتنظيم الدور لتلافي حدوث احتكاكات بين الراغبين في تعبئة الماء، ورغم ذلك فقد توقفت كنيسة في منطقة السريان الجديدة عن تزويد الراغبين بالمياه، وفي هذا الإطار يقول أحد أبناء المنطقة: “لم يبق لنا نحن أبناء المنطقة دور، الغرباء أصبحوا أكثر عدداً منا، ربما توقفت الكنيسة كي تتجنب أي مشكلة ذات طبيعة مناطقية أو طائفية للأسف”، ويشرح مستغرباً كيف أن جاره في البناء المقابل عبر الشارع على بعد أقل من 10 أمتار تصله المياه لبضعة ساعات بينما يبقى هو محروماً في منزله منها.
يحاول جمعة ابتلاع نقمته بعد حديث مطول عن وضع المياه في حلب، ويقول بكلمات هادئة: “يصعب كثيراً على من لا يعيش في حلب الآن أن يستوعب الوضع، لا تقس على أي شيء تعرفه قبلاً، مهما حاولت أن أشرح لك لن تستوعب حقيقة الأمر”، يسكت جمعة قليلاً ثم يتابع “لذلك، لا تستغرب أي ردات فعلاً تلاحظها لدى أي من المواطنين في الطرفين، لا تستغرب أبداً”.

