المقاتلون المهاجرون في صفوف داعش.. محاولات للانخراط في الحياة اليومية

المقاتلون المهاجرون في صفوف داعش.. محاولات للانخراط في الحياة اليومية

جهاد النكاح

هشام سراج الدين

لم يأت “المهاجرون” إلى سورية من أجل الجهاد فحسب، بل جاؤوا للعيش في رحاب “دولة الإسلام” التي وعدهم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بها، فجاء قسم لا بأس به مع عائلاتهم وأسرهم مودّعين أوطانهم الأصلية إلى غير رجعة، أما العازبون فمنهم من حاول الانخراط مع أهل البلد عبر الزواج من أهله، على اعتبار أن معارك التنظيم قد تمتد عشرات السنوات وفق مفهوم التنظيم، فالجهاد عندهم لا ينتهي عند حد معين، لذا كان لا بدَّ من عيش الحياة كما هي، ورغم ذلك ما زال المهاجرون يبحثون عن حياة اجتماعية طبيعية وفق نظرهم.

المهاجرون الأجانب يعيشون في سجن كبير، حيث تقتصر الزيارات والسهرات على إصحاب الجنسيات التي ينحدرون منها، أو على المنتسبين للتنظيم وإن بنطاق ضيق، أما المتزوجون من سوريات فتقتصر علاقتهم غالباً على أهل الزوجة، ولا تتعداها إلى بقية العائلة، يقول أبو محمد الأنصاري وهو سوري من سكان منطقة خاضعة لسيطرة التنظيم “أعامل صهري المهاجر أحسن من أولادي، فهؤلاء جاؤوا من أقاصي الدنيا لنصرة دين الله، وإعادة مجد المسلمين وعزهم”.

انخراط المقاتلين في الجبهات وقف عائقاً إضافياً أمام تأقلمهم في المجتمع وبناء علاقات مع أهله، فالمهاجر يحاول استثمار الإجازة مع أهله، وإن كان عازباً فإنه يسكن مع زملائه، ونادراً ما تتعدى علاقته إقامة علاقة مع أشخاص خارج التنظيم، فهي إن تمت فتتم عبر الأنصار (المقاتلون السوريون)، أو الجيران، أبو حارثة التونسي مقاتل مهاجر يقول.. “أسهر مع إخواني، وأعيش معهم كأننا عائلة واحدة نطبخ ونأكل ونغسل سوية، ومنهم من تزوج، أما أنا فمتردد بين الزواج من هنا أو إحضار زوجتي وأولادي، فالحياة مملة من دون العائلة”.

قد ينشأ نوع من العلاقات السطحية مع أصحاب المحلات ولا سيما محلات الانترنت الفضائي، والبقالات، ومحلات الخضار وما شابهها، كما أسهمت عادة السوريين بالجلوس أمام المحلات والبيوت في نشوء نوع من العلاقات، يقول أبو رائد صاحب مكتب عقاري “المكتب عامر دائماً بالأصحاب والأصدقاء، وأعرف كل المهاجرين في الحارة، ولا يمر يوم دون أن يكون أحدهم ضيفاً عندنا، فعندهم الكثير من القصص الجميلة، كقصة هجرتهم، وأسبابها، وقصص المعارك والرباط، وهي قصص تسرّ الحاضرين وتجذبهم، وغالباً ما تدفع قصصهم الضيوف للتعاطف معهم”، يقول المهندس عمار “ابتسامة السوري في وجه الغريب تترك نوعاً من الراحة النفسية، وتشرح صدورهم، لكن ممارسات التنظيم تنعكس سلباً على علاقة السوريين بهم”، وقد ساهمت معاركهم ضد الثوار لحقد شريحة كبيرة عليهم.

ويلاحظ حرصهم على ارتياد المساجد مع أولادهم وهم يحملون سلاحهم، مما أسهم بوجود علاقة سطحية مع مرتاديه من الأهالي، وقد أثار حمل السلاح استياءً لدى شريحة كبيرة من السوريين، أبو أحمد: “المسجد مكان للعبادة، وليس للعروض العسكرية، ثم إنهم يصلون في منطقة مُسيطر عليها بشكل كامل من قبل التنظيم فلا مبرر لحمل السلاح إلا إذا كان الدافع إرهابنا أو الخوف منا، وأعرف كثيراً من الأهالي امتنعوا عن صلاة الجماعة بسبب هذا السلوك”.

المهاجرون ولا سيما الأجانب لا يتدخلون في التفاصيل اليومية لحياة الناس مما جعلهم أكثر قبولاً على عكس المهاجرين العرب الذين يتدخلون في كل شاردة وواردة، كما أن جهاز الحسبة يدار معظمه من السعوديين (الجزراويون) الذين تركوا انطباعاً سيئاً عن التنظيم، وكذلك نجد الشرعيين، يقول الأستاذ عمار : “الشرعيون ورجال الحسبة تركوا انطباعاً سيئاً، وشكلوا حاجزاً بين التنظيم والأهالي، فهم ينظرون للأهالي بعين الريبة ويعاملونهم كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وانعكس ذلك على تقبل المجتمع لهم، فتراهم يعيشون حياة منعزلة”.

العاملون في الحسبة والدعوة والهيئات المدنية، أكثر احتكاكاً مع الأهالي، ومعظمهم من المهاجرين العرب، فيندر أن ترى مهاجراً أجنبياً يعمل في دوائر التنظيم المدنية، وتتميز حياتهم بالرتابة فلا أهل ولا أصدقاء، فكثير من السوريين يتخوف من إقامة علاقات اجتماعية معهم، وقد انعكس ذلك على نفسية المهاجرين الذين يشعرون بعدم تقبل المجتمع لهم، فالمجتمع يرفض تعليماتهم وأوامرهم ويمتثل لها مكرهاً لأنه غير مقتنع بهم وبمؤهلاتهم، يقول عمار: “كيف تريد من السوري أن يثق بقاض لا يعرف مؤهلاته العلمية، وخلفيته، كما لا يمكن الثقة بآرائهم الشرعية التي تخالف ما ألفه وعاشه المواطن العادي”، وقد قام أحد القضاة “بسجن جاره لارتكابه مخالفة بسيطة: فهذه التصرفات ولّدت كرهاً تجاههم

يغيب عن حياة المهاجرين أي نوع من حياة الترفيه والتسلية، فلا الظروف الأمنية تسمح، ولم يعد يوجد في المناطق التي يعيشون فيها أي نوع من المتنزهات، تقول أم يامن: “كنا نأخذ الأولاد للحديقة يوم في الأسبوع على الأقل، وأحياناً نزور مزارع الأصحاب أما الآن فنلزم بيوتنا، فالتنظيم قد يعاقبنا على أدنى مخالفة”.

[wp_ad_camp_1]